تجارب ومبادرات دولية في الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي

تعرض هذه الورقة عدة تجارب ومبادرات دولية في تضمين موازنات النوع الاجتماعي في الهيكل الوطني سواء على مستوى مركزي في الموازنة العامة ككل، أو على مستوى مناطقي أو محلي. تهدف الورقة بذلك إلى إلقاء الضوء على المستويات المختلفة في التطبيق على المستوى الدولي: كمبادرات أو كسياسية عامة. نعرض لأسبانيا والنمسا كمثال لدولتين أوروبيتين في مراحل مختلفة من إدماج موازنات النوع في الإطار الوطني1: ففي حين تقوم أسبانيا منذ مطلع الألفية ببناء قدراتها لرصد وتحليل الهوة بين الجنسين وتفعيل سياسات أوسع للمساواة، استطاعت النمسا أن تدرج موازنات النوع كواجب دستوري منذ 2007. وعلى الضفة الأخرى من الأطلنطي نعرض تجربة المكسيك الرائدة القاطرة لموازنات النوع الاجتماعي في أمريكا اللاتينية.

أسبانيا : أدوات قوية دون موازنة نوع صريحة

تبعاً للنظام السياسي الأسباني، تتوزع المسئوليات والصلاحيات بين الدولة المركزية والأقاليم السبعة عشر ذاتية الإدارة، خلق هذا مستويين أساسيين لموازنات النوع وسياسات المساواة : المستوى الوطني والأقاليمي. فعلى المستوى الوطني تختص وزارة الصحة والخدمات الاجتماعية والمساواة، ممثلة في سكرتارية الدولة للخدمات الاجتماعية والمساواة، المعنية بالإدارة العامة للفرص المتساوية؛ بتقييم تدعيم المعاملة المتساوية وتساوي القرص بين الإناث والذكور، في حين تختص مؤسسة المرأة – وهي كيان مستقل يتبع للوزارة – بدراسة وتقييم الهوة الاجتماعية والاقتصادية بين الجنسين، واقتراح سياسات تعزز من وضع المرأة. تلعب كيانات أخرى أدوار على المستوى الوطني في معالجة قضية عدم المساواة، من ضمنها مفوضية المساواة؛ وهي كيان عابر للوزارات يتشكل من ممثلين لجميع الوزارات، ووحدات المساواة الملحقة بكل وزارة والمعنية بتطوير آليات تفصيلية لقياس أثر السياسات المطبقة على قضية المساواة وتقديم بيانات إحصائية تفصيلية. أما على المستوى المناطقي، فقامت جميع الأقاليم ذاتية الإدارة بتشكيل كيان واحد على الأقل يختص بقضية المساواة، بالإضافة إلى أفرع محلية لمفوضية المرأة وكيانات أخرى متجاوزة للتخصصات الإدارية. وللتنسيق بين تلك المجهودات المختلفة على المستوى الوطني والمناطقي، تم انشاء آلية علمة – متمثلة في المؤتمر القطاعي للمساواة – وتجمع ممثبين عن المسئولين المناطقيين مع أقرانهم على المستوى الوطني لضمان التنسيق دون سيطرة من المركز على الأطراف.
أنتج هذا مستويات مختلفة ومتنوعة من اتخاذ القرار بما يتناسب مع الوضع الأعم أوالأخص، وإن تفتقر الدولة الأسبانية لآلية موازنة النوع بشكل خاص، إلا أنها تمتلك لآليات تمكن من قياس أثر السياسات الإقتصادية والإجتماعية على الجنسين، كما يلزم القانون رقم 3 لسنة 2007 أن تتضمن الإحصاءات خانة الجنس من أجل تعزيز القدرة على توليد بيانات قائمة على النوع الاجتماعي. كما يملك النظام الأسباني آليات للتشاور والمشاركة واتخاذ القرار التي تمكن من خلق قاعدة قوية مستقبلية لتفعيل موازنات النوع. لاحقا سنعرض في التجربة الهندية مشكلة عدم القدرة على قراءة البيانات العامة للموازنة من منظور النوع الاجتماعي، وسنرى أثر ذلك على كفاءة تطبيق موازنات النوع.

النمسا: موازنة النوع كحق دستوري

أدارياً، يتشابه وضع الكيانات المعنية بالمساواة على أساس النوع بين النمسا وأسبانيا: حكومة مركزية وأقاليم ذات استقلالية عالية تضع كل منهما مؤسساتها المعنية بقضية المساواة وآليات عابرة للوزارات والقطاعات تتولي التنسيق والتشبيك. إلا إن ما يميز النمسا هو تقدمها في إدراج موازنات النوع – تصريحاً- في الدستور. ففي التعديلات الدستورية لسنة 2007 ، تم صياغة المادة 13 (ثالثاً)من الدستور كالتالي:
” يجب أن تهدف ( الدولة والأقاليم) على الوضع المتساوي للنساء والرجال في الموازنة”
أدى ذلك إلى إكساب موازنات النوع وضع قانوني ودستوري فريد، ويأتي هذا الضمان الدستوري ضمن سياسة طويلة بدأت في سنة 2002 ببرنامج طويل الأمد لتعزيز ضمانات المساواة على أساس النوع في جميع مستويات الدولة، ما خلق قاعدة أهداف محددة ليتم تطبيقها بداية من 2008 على المستوى الفيدرالي، وكانت ثمرة تلك المجهودات بإصدار محددات رسمية لصياغة قوانين موازنات النوع في 2001. وصار لزاماً على كل وزارة أن تربط موازناتها يحقق الأهداف المرجوة من الموازنة، ومن ضمنها أهداف المساواة القائمة على أساس النوع.
جدير بالذكر أن آليات كالإحصاءات الحساسة للنوع الاجتماعي، وتحليل السياسات بمراعاة النوع، وتقييم أثر السياسات على قضايا النوع، والمشاورات المفتوحة؛ تلعب جميعها دوراً أساسياً في شفافية الموازنة وتشاركيتها، بما يعزز من كفاءة موازنات النوع ضمنها.

المكسيك: قاطرة موازنات النوع في أمريكا اللاتينية

دفع تبني البرلمان البرلمان المكسيكس لمبادرة أطلقتها منظمات المجتمع المدني في سنة 2000 المكسيك لتكون رائدة الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي في أمريكا اللاتينية وقاطرة المبادرات فيها. استهدفت المبادرة تقييم الإنفاق الحكومي داخل الموازنة العامة الذي يصب لمصلحة النساء وبرامج المساواة على أساس النوع. استطاعت تلك المبادرة توفير القدرة على قياس استمرارية برامج التمكين ومدى زيادة أو نقصان التمويل الموجه لها. أعطي ذلك لكثير من البرلمانيات النساء، بالتعاون مع INMUJERES “المؤسسة الوطنية لحقوق المرأة”، القدرة على زيادة المخصصات الموجهة للنساء في الموازنة العامة. ما دعى الحكومة الفيدرالية لاحقاً على تجميع المخصصات الموجهة للنساء قي ملحقات خاصة داخل الموازنة كرد فعل واستجابة لتلك المبادرة. وحالياً، تشكلت آلية رسمية عابرة للمؤسسات في شكل لجنة عمل تتكون من برلمانيين وأكاديميين وممثلين للمجتمع المدني، وتملك تلك اللجنة حق مسائلة جميع الجهات التي تحصل على موارد مخصصة لتحسين وضع المرأة ضمن الموازنة العامة.
وعلى الصعيد التنفيذي في 2003، كان الاهتمام بموازنات النوع منشأه القطاع الصحي: فلضمان كفاية الموارد المالية للاحتياجات الصحية الخاصة بالنساء، قامت وزارة الصحة بالتعاون مع المجتمع المدني واللجان البرلمانية المختصة بالصحة والمساواة بتضمين النوع الاجتماعي كبعد أساسي في وضع موازنات الصحة. بدأ هذا بتحديد الحاجات الصحية الخاصة بالنساء، ثم بتقييم الموارد المخصصة وقتها وكفايتها أو عدم كفايتها للمتطلبات الصحية للنساء، ونهايةً بتحديد الموارد المطلوبة ومعايير قياس تحقيق الهدف المرجو بانتهاء دورة الموازنة. حققت تلك المبادرة نجاح في زيادة كفاءة برامج الوقاية والتشخيص المبكر للأمراض التي تصيب النساء بشكل أكبر.
نتج عن تلك المبادرات صياغة قانون الموازنة الفيدرالية المسئوليات المالية في 2006 والذي نص على أن يتم إعداد الموازنات العامة اعتماداً على عدة معايير، من ضمنها النوع الاجتماعي.

لتحميل الورقة مدرج بها الهوامش

  gender-budget.pdf (115.7 KiB)

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone