كيف ننفق بخزانة خاوية؟ أو بدايات الموازنات التشاركية في البرازيل

سواء كانت موازنة دولة، أو ميزانية محافظة أو حي، أو حتى نادٍ أو جمعية أهلية؛ تعتمد فكرة الموازنة على مبدأ الندرة، حيث يجب أن تقوم الموارد المحدودة بتلبية احتياجات متنوعة. ولضمان قدراً من العدالة والكفاءة في عملية توزيع تلك الموارد، توافقت الأنظمة السياسية والقانونية على اختلافها على أن تتشارك أكثر من جهة في إعداد الموازنات وإقراراها. المبدأ الأكثر انتشاراً هو أن تقوم الأجهزة التنفيذية بإعداد الموازنة ( سواء كانت وزارات أو مجلس إدارة نادي) وتفصيل الموارد وسبل إنفاقها، على أن تقوم جهة ذات صفة تمثيلية ( مجلس نواب أو جمعية عمومية) بإقراراها وصبغها بالشرعية وموافقة ذوي الشأن ( المواطنين أو أعضاء النادي). بالنسبة للموازنات التشاركية، فالشرعية التي يصبغها أصحاب الشأن على الموازنة لا تقتصر على مرحلة إقراراها، بل تصميمها وإعدادها ومراقبة تنفيذها.

في 1989، وبعد عقدين من الديكتاتورية العسكرية، فوجئ ممثل حزب العمال البرازيلي (يسار وسط) االمنتخب لمنصب عمدة مدينة بورتو أليجري بأن الإدارة السابقة للمدينة قد تركت المدينة في حالة شبه إفلاس مالي، وسرعان ما أدركت الإدارة الجديدة – المكونة من مجموعة من النشطاء السياسيين قليلي الخبرة في الإدارة المدنية- مدى صعوبة توفير أبسط الحاجات الأساسية لسكان المدينة: كان الحل هو الابتعاد عن نمط الإدارة الفوقي والاعتماد على المشاركة الجماهيرية. اعتمدت الإدارة المنتخبة نظام يضمن قدرة الموارد غاية المحدودية على تلبية المطالب بحسب أولوياتها، كان النظام ببساطة هو جعل مواطني المدينة يحددون بأنفسهم أولويات الإنفاق.

تم تصميم نظام لتطبيق تلك الفكرة: قسمت المدينة لـ16 تقسيم إداري-مالي يتتبع تركز اتحادات وجمعيات الجوار في المدينة. امتلكت البرازيل تاريخ ممتد منذ خمسينات القرن العشرين من صعود وهبوط اتحادات الجوار ( جمعيات أصدقاء الحي – Sociedades de Amigos de Bairro) التي تشكلت في بداياتها في الأحياء الأكثر فقراً للعمل على إدراج أحياءهم في مخططات البنية التحتية وتوفير الخدمات، وتطورت لتصبح ممثل لسكان الأحياء أمام الإدارة السياسية والمحلية؛ يتفاوض بقوة أحياناً ويطلب ويلتمس أحياناً بحسب مساحة المشاركة السياسية والوضع السياسي العام في البرازيل. تطورت تلك الاتحادات حتى استطاعت أن تخلق مظلة مشتركة تغطي كامل البرازيل في 1959 قبل أن تنحسر قوتها خلال الحكم العسكري، وإن استمرت قائمة دون أن تتصادم مع السلطة. وعلى الرغم من وجود بضعة اتحادات قوية في بعض أحياء بورتو أليجري، إلا أن غالبيتها افتقر لوجود كيانات تستطيع تمثيل احتياجات السكان بكفاءة.

اعتمد نظام إقرار الموازنة على مجالس عامة أهلية تقام في كل حي على دورتين سنويتين يقوم فيها موظفون عموميون بعرض معلومات مالية عامة عن الحالة المالية للمدينة ويقوم فيه سكان الحي بانتخاب ممثلينهم. يعقب المجلس العام الأول عقد اجتماعات محلية يقوم فيها سكان كل قسم من أقسام الحي بوضع قائمة أولويات الإنفاق من خلال سبع مجموعات إنفاق تمتد من الرصف والصرف الصحي وحتى بناء المدارس. وفي الدورة الثانية يقوم سكان كل حي بالإنتخاب من أعضاءه لشغل مستويان من التمثيل: المستوى الأول وهو “منتدى ميزانية الحي” المشكل من ممثلين لمختلف أقسام الحي، حيث يقوم سكان كل قسم من الأقسام بالإنتخاب من الحاضرين في اجتماع الدورة الثانية بواقع 1 إلى 10 من من الحاضرين من سكان القسم وبذلك يتشكل منتدي ميزانية الحي بحسب كثافة مشاركة سكان الأقسام المختلفة في اجتماع الدورة. والمستوى الثاني من التمثيل يقوم فيه السكان باختيار مندوبين أساسيين ومندوبين احتياطيين كأعضاء عن الحي في “مجلس ميزانية المدينة” لتمثيل أولويات السكان في وضع الميزانية. يقوم أعضاء “منتدى ميزانية الحي” في الشهر التالي لانعقاد الدورة الثانية بالنقاش فيما بينهم للخروج بقائمة أولويات موحدة عن الحي توافق بين أولويات أقسامه المختلفة. أما أعضاء “مجلس ميزانية المدينة” فيقومون بتوزيع بنود الميزانية على أولويات الأحياء المختلفة بحسب كلأ من مجموعات الإنفاق السبعة. جدير بالذكر إن جميع تلك المجالس أهلية خالصة لا تمثيل حكومي أو تنفيذي فيها، حيث يقتصر الجانب التنفيذي على تنفيذ تلك الأولويات، فيقوم التنفيذيون بصياغة تلك الأولويات في بنود وبرامج الميزانية تحت إشراف “مجلس ميزانية المدينة” ويستمر كلاً من منتديات الأحياء و مجلس ميزانية المدينة في مراقبة الإنفاق والتشاور مع التنفيذيين في مختلف الأوجه المتعلقة بتنفيذ الخدمات.

تطورت تلك الآلية في بورتو أليجري بعد ذلك لتشمل تشكيل منتديات تقوم بوضع سياسات طويلة المدى للاستثمار في مختلف المجالات سواء كانت في الصحة العامة أو الاستثمار المحلي. وعلى المستوى الدولي، ما بدأ في بورتو أليجري كفكرة لمواجهة ضائقة مالية محلية تطور ليكتسب اسم “الموازنات التشاركية”

تعتبر الموازنات التشاركية بمثابة التطبيق العملي لنتائج الموازنات المفتوحة، وتعتمد على تصميم الموازنة بطريقة موازنة البرامج نظراً للطبييعتها المباشرة المعتمدة على مشاركة المواطنين. حيث يركز مبدأ الموازنات المفتوحة على إتاحة المعلومات التفصيلية للموازنة وسياساتها الكلية للجمهور، وترتكز موزانات البرامج على قياس الأثر الفعلى للإنفاق في تحقيق الهدف المرجو من الإنفاق ذاته. وبما أن الموازنات التشاركية تعتمد على مدخلات الجمهور في جميع مراحلها فهي تستلزم الإتاحة القصوى لكل معلومات الموازنة. وبسبب مشاركة الجمهور في تحديد أولويات الإنفاق؛ تنحى طبيعة هذه المشاركة إلى اعتماد موازنات البرامج عوضاً عن موزانات البنود نظراً لكون موازنات البرامج هي الأقدر على الاستجابة للحاجات المباشرة للجمهور. لذلك تحقق الموازنات التشاركية القدر الأعظم من مبادئ كلاهما: أتاحة قصوي للمعلومات المالية وسياسات واضحة للإنفاق وجلب الموارد والمراقبة المباشرة، ومشاركة في جميع مستويات ومراحل الموازنة بما يحقق أقصى فائدة للإنفاق.

لتحميل الورقة مدرج بها الهوامش

  com-budget.pdf (135.6 KiB)

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone