الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي

تعتبر الموازنات العامة إحدى التجليات الواضحة لأولويات السلطة السياسية بشقيها التنفيذي والتشريعي. فإن كانت السلطة التنفيذية هي من تقوم بإعداد الموازنة العامة للدولة، ولا يتم العمل بها إلا بإقرارها من قبل السلطة التشريعية. في ورقة سابقة[1]، ناقشنا الفروق بين موازنات البنود وموازنات البرامج كشكلان من أشكال إقرار السياسة العامة في شكل مخصصات مالية تدعم توجهات النظام السياسي وأولياته. في هذه الورقة، نناقش أحد نقاط القوة في موازنات البرامج، وهي القدرة على صياغة الموازنة بهدف خدمة سياسات محددة، والقدرة على قياس مدى تحقيق تلك المخصصات المالية للهدف المرجو من تلك السياسات؛ نقوم بذلك من خلال تقديم مفهوم الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي كأحد أشكال الموازنات المستجيبة لقضية مجتمعية محددة.

لماذا الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي؟

بخلاف موازنات البنود، تمتاز موازنات البرامج باهتمامها بالإجابة على أسئلة: ما؟ ولماذا؟ ولمن؟ وكيف؟ – ما الهدف من هذا الوجه من الإنفاق؟ ولماذا يعتبر أولوية؛ أو أكثر أهمية من أوجه أخرى للإنفاق؟ ومن سيكون المستفيد من تلك المخصصات؟ والكيفية التي سيتم بها توجيهها، وكيف سيتم التيقن من تحقيق تلك المخصصات للهدف منها؟ بمعنى آخر، فموازنات البرامج تعتبر عين مختلفة على الإنفاق، تهدف لرؤية الغاية النهائية منه، والتأكد من تحقيق الإنفاق لتلك الغاية.

ولذلك، يمكن لتلك العيون أن تكون حساسة لبيانات قد تخفيها شموليات موازنات البنود، فالمخصصات المالية في عموميتها قد تغطى على تحيزات لا تكشفها الأرقام، ومنها تحيزات النوع الاجتماعي: فإن كانت قضية كقضية اللامساواة القائمة على النوع الاجتماعي تعتبر من القضايا التي تشغل أولويات النظام السياسي، فيجب على الموازنة أن تكون حساسة لمعطيات النوع في مراحل تصورها، وإعدادها، والموافقة عليها، وتنفيذها، وتقييمها. بما يمكّن من إعطاء النظام السياسي القدرة التحليلية على رصد كفاية – أو لا مساواة – تخصيص المخصصات المالية بالنسبة للنوع الاجتماعي، وإعطاءه القدرة على تعديل أو تخصيص موارد توازن بين الإنفاق استناداً على النوع الاجتماعي: هل المخصصات التي سيستفيد بها المواطنين كذكور تتوازي مع المخصصات التي ستستفيد بها المواطنات كإناث، على سبيل المثال.

تعطي هذه الحساسية للنوع الاجتماعي الدولة القدرة على وضع السياسات، والقدرة على تحليل آثارها بما يتلافى موروثات التحيز القائم على النوع؛ والمستترة خلال عقود من اعتماد موازنات البنود على معايير الإنفاق الكلي. يمكن تعريف الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي بوصفها قدرة آلية وضع الموازنة على اعتماد سياسة مالية منتبهة لشمول المخصصات المالية أطياف النوع الاجتماعي، واضعة في الاعتبار توزيعها وتساويها على تنويعات هذا الطيف.

  تاريخ الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي

بدأ مفهوم الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي في استراليا سنة 1980 من خلال آلية استحدثتها الحكومة الفيدرالية لقياس أثر الإنفاق الحكومي على كلاً من الذكور والإناث.  تشارك في إعداد هذه التقارير مختلف المستويات التنفيذية على مستوى الوزارات والولايات، وصولاً لأعلى درجات وضع الموازنة الفيدرالية. وعلى الرغم من عدم استمرار تنفيذ تلك الآلية- وعدم الاهتمام بإشراك منظمات المجتمع المدني فيها، إلا أنها كانت بداية لإدراك أثر السياسات المالية على قضايا النوع الاجتماعي. تبع ذلك مبادرات مشابهة في كندا والمملكة المتحدة لقياس علاقة النوع الاجتماعي وتحصيل الضرائب.

كانت القارة الأفريقية سباقة في هذا النوع من المبادرات، ففي جنوب أفريقيا –  وبُعَيد سقوط حكومة الأبارتهيد ونهاية نظام الفصل العنصري-  قامت مجموعات من منظمات المجتمع المدني والأكاديميين والبرلمانيين – ولمدة أربعة أعوام –  بإصدار تقارير سنوية عن الإنفاق الحكومي وعلاقته بالنوع الاجتماعي. وفي عام 1997، قام مشروع التشبيك التنزاني للنوع الاجتماعي ( مؤسسة مجتمع مدني)  بالتعاون مع وزارة المالية بإدراج النوع الاجتماعي كأحد معايير إعداد الموازنة. واستمرت تلك المبادرات حول العالم للتأثير على عملية صنع القرار لإدراج قضايا النوع الاجتماعي داخل الموازنات حتى انتشرت في 42 دولة بدرجات متفاوتة من المشاركة والنجاح[2].

bud

شكل1. قام صندوق النقد الدولي في 2016 بإعداد ورقة عمل ضمن دراسته لأشكال مبادرات موازنات النوع الإجتماعي حول العالم[3]

الهند : هل نستطيع أن نرى النساء في الموازنة؟

تعتبر الهند من الدول الرائدة في مجال الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي، وقابلت التجربة الهندية أولى المصاعب في كيفية قراءة الموازنة بحيث تظهر الأرقام مدى الخدمات والمصروفات التي تصب في النهاية للمواطنين الإناث: فالموازنات العامة – بطبيعتها – عمومية؛ حيث لا يفرق الإنفاق – نظريًا – بين المواطنين بحسب الجنس أو العرق، بل تلعب عوامل أخرى في تمييز الرجال وحصولهم – في النهاية – على نصيب أكبر من أقرانهم النساء من الإنفاق العام، كالتمييز الاجتماعي ضد النساء بوجه عام.

بدأ التوجه نحو الاهتمام بالموازنات المستجيبة للنوع بدءاً من عام 1997، حيث أقرت الخطة التسعية (1997/2002) هدف أن يتم توجيه 30% على الأقل من مخصصات قطاعات التنمية إلى النساء. تلا ذلك مسح اقتصادي وطني عن اللامساواة  القائمة على النوع في 2002. وتعاونت الوزارات الهندية مع العديد من الهيئات الدولية لضمان تنفيذ الموازنات المستجيبة للنوع على المستوى الوطني والمناطقي.

واجهت الهند مشكلة عدم استطاعة القائمين على إعداد الموازنة من تحديد نسبة النساء المستفيدة من القطاعات المختلفة الإنفاق العام ومقارنتها بنسبة الذكور بشكل كلي. لذلك لجأت الهند إلى تخصيص برامج إنفاق تستهدف النساء بوجه خاص: كبرامج تسهيل الاقتراض والنفاذ للقطاع المصرفي وبرامج الصحة الموجهة للنساء حصراً، وصياغة محددات الضمان الاجتماعي لتتوجه  للنساء بشكل خاص.

على الرغم من أن  الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي لا تعني زيادة الإنفاق العام بشكل كلي حتى تستطيع الدولة توجيه تلك الزيادة إلى النساء: فالموازنات المستجيبة للنوع تسعى لإعادة توجيه النفقات الحالية – دون زيادة – لتصويب الخلل الناتج عن التحيز الاجتماعي ضد النساء. قامت الهند بالاتجاه نحو زيادة الإنفاق نحو النساء للتغلب على مشكلة عدم القدرة على رؤية النساء كمستفيد نهائي من الإنفاق. جدير بالذكر أن هذه المشكلة تنبع  من – أو بالأحرى متضمنة في – مشاكل موازنات البنود بشكل عام في عدم قدرتها على إعطاء الجهات القائمة على وضع الموازنات من الرؤية التفصيلية لمستويات الإنفاق ونتائجه.[4]

 

هل من اتجاه نحو الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي في مصر؟

في سنة 2005، أصدر وزير المالية القرار رقم 617 لسنة 2005 بتشكيل وحدة تكافؤ الفرص بوصفها إحدى وحدات مكتب الوزير. أتى القرار الوزاري ليصف تلك الوحدة بكونها “آلية الاتصال بين الوزارة والمجلس القومي للمرأة” على أن يكون الهدف منها “إعداد الدراسات والخطط والبرامج المتعلقة بالنهوض والارتقاء بمستوى أداء العاملين بالوزارة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي”. لا يشرح القرار الوزاري العلاقة بين علاقة الوحدة “بالاتصال بالمجلس القومي للمرأة” و”النهوض بأداء العاملين اقتصادياً واجتماعياً … إلخ”. بزيارة موقع الوحدة[5] على شبكة الانترنت، نجد أن إنشاء تلك الوحدة تزامن مع توقيع وزارة المالية اتفاقية تمويلية مع السفارة الهولندية بمصر وصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة كمحاولة أولية لإدراج مفهوم الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي داخل دولاب عمل وزارة المالية، وخلال سنوات المشروع المشترك الثلاثة، قامت الوحدة – مما يوفره أحد تقاريرها[6] – بمجهودات توعوية في معظمها، ومحاولة إنشاء لبنة من العاملين المدركين لأبعاد النوع الاجتماعي في الموازنة. لا تتوافر بيانات حول استمرار المشروع المشترك بعد السنوات الثلاث الأولية، ولا تدل أنشطة الوحدة الحالية على تركيزها على قضايا النوع الاجتماعي في الموازنات. يفهم من ذلك أن تلك المبادرة انتهت بنهاية تمويل المشروع المشترك، ويعيق عدم توافر البيانات تقييم أثرها أواستمراريتها في مبادرات أخرى. ما يبقي مستقبل الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي في مصر غير واضح، مع عدم تبني الدولة لاتجاه واضح نحو تلك النوع من الموازنات.

الهوامش

[1] موازنة البرامج – ورقة مفاهيمية – ماهر عبد الرحمن – مركز دعم لتقنية المعلومات – 2017 – متوافرة على الرابط https://sitcegypt.org/?p=4282

[2] اتجاهات إدراك النوع الاجتماعي في الموازنات الوطنية – مكتب المستشار الخاص لقضايا النوع الاجتماعي والتنمية – الأمم المتحدة  – متوافر على الرابط (بالإنجليزية) http://www.un.org/womenwatch/osagi/gmtoolsnatlbudgets.htm

[3] Gender Budgeting: Fiscal Context and Current Outcomes – Janet G. Stotsky – IMF Working Paper – 2016 –  Available at goo.gl/Q8rnmP

[4] المصدر: موازنة النوع في الهند – أشوك ك. لاهيري وآخرون – المؤسسة الوطنية للمالية العامة والسياسات – الهند ( تقرير نهائي لتقييم الخطة التسعية)

[5] وحدة تكافؤ الفرص – وزارة المالية المصرية: http://www.mof.gov.eg/equality-finallweb/equalityguestpages/aetmad.aspx

[6] إعداد موازنة مستجيبة لاحتياجات الرجل والمرأة معاً – مشروع تكافؤ الفرص في الموازنة العامة للدولة – وحدة تكافؤ الفرص – مكتب وزير المالية – 2008 – متوافر على الرابط http://www.mof.gov.eg/equality-finallweb/equalityguestpages/nasharat.aspx

لتحميل الورقة

  gen-bud.pdf (291.4 KiB)

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone