كيف تُحجب المعلومات: الحالة المصرية

على الرغم من نص الدستور المصري لعام 2014 على حق الجمهور في الحصول على المعلومات ذات الطبيعة العامة، إلا أن حتى هذه اللحظة لا يلحظ أي تغير في البنية القانونية، أو الإدارية، أو الثقافة المؤسسية الداعمة للحق في الحصول على المعلومات. تسعى هذه الورقة إلى رسم مشهد عن الإطار الحالي الذي يعيق الجمهور عن ممارسة حقهم في الوصول إلى المعلومات، وذلك في ضوء الإلتزام الدستوري الذي ينص على أن المعلومات ملك الشعب.

مقدمة: المعلومات في الدولة المصرية

ارتبط وجود سلاسل من المعلومات الموثقة والمحفوظة لإعادة استخدامها بنشأة الدولة المصرية الحديثة. فمنذ أراد مـحـمد علي أن يوطد سلطته في الولاية الغنية التي تمكن من حكمها، ظهر اهتمامه بتوثيق وحفظ المعلومات الإدارية والمالية المنبثقة من جهاز الدولة البيروقراطي. أبى مـحـمد على أن يكون مجرد والي تنقضي ولايته بعد سنوات معدودة كما جرت العادة في الإمبراطورية العثمانية وقتها، وأراد أن ينتزع لنفسه – ولذريته من بعده – الحق الحصري في حكم مصر تحت التبعية الإسمية للدولة العثمانية؛ وفي سبيل ذلك أدار مـحـمد على ولايته بطريقة تغاير ما كان مستقر عليه لدى الولاة العثمانيين حيث شرع في بناء إطار شبه مؤسسي لإدارة البلاد بما يكفل له استمرارية نفاذ سلطته. أصدر مـحـمد علي “السياستنامة” والتي تعتبر من أوائل النصوص القانونية المعنية بالتنظيم الشامل للجهاز الإداري للدولة والتي احتوت على تقسيم الدواوين وتقسيم العمل داخلها مع بيان اختصاصات مدرائها ونظار أقلامها ومواصفات وأدوار العاملين بها. أولت “السياستنامة” اهتماماً بالدفاتر والإيصالات، فنصت على “أن تكون الكتابة المستعملة في جميع الدواوين مثبتة في دفاترها على… طريقة مسك الدفاتر المسلسلة” وأنه “واجب على هؤلاء (كتاب اليومية) أن يقيدوا الإيصالات المذكورة بعد مراجعتها”. أفرز ذلك كمية كبيرة من الدفاتر والمستندات التي أنتجها الجهاز الإداري والتي كان “كل رئيس قلم من رؤساء الأقلام … مأمور بأن يحفظ سندات قلمه بعد مراجعتها إلى حين يسلمها إلى المحل اللازم تسليمه لها”.
كانت تلك اللمحات أولى مؤشرات ظهور نوع من التدوين المستمر للعمل الإداري داخل الدولة، استدعى حفظ ذلك التدوين –والمعلومات التي يحتويها- إنشاء “الدفترخانة” في 1829 كأول أرشيف حكومي يهدف إلى حفظ معلومات الجهاز الإداري للرجوع إليها عند الحاجة. جدير بالملاحظة أن القدرة على النفاذ إلى تلك المعلومات كان حكراً على قمة هرم السلطة متمثلاً في الديوان الخديوي الذي يرأسه مـحـمد على، حتى إن أمر اسناد إدارة الدفتراخانة إلى ناظر الضربخانة (دار سك العملة) أوضح إن مهمته تتمحور حول إمداد الديوان الخديوي بما يريد -من دفاتر وخلافه- على وجه السرعة.
استمر النظر إلى المعلومات كحكر على مكونات الجهاز الإداري للدولة خلال مختلف التشريعات المتعلقة بالمحفوظات أو الأرشيف والسجلات: يكفي أن نلقي نظرة على لائحة المحفوظات الحكومية الصادرة عن وزارة المالية في 2009، والتي يمنع فيها “الأفراد من الإطلاع عليها (المحفوظات) أو التصريح لهم بدخول غرف الحفظ”، ويقتصر حق الإطلاع على الموظفين العموميين “بإذن كتابي من الرئيس المختص”، أو للقضاة وأعضاء النيابة العامة “متى ندبوا لذلك رسمياً”، ونقارنها بلائحة الدفترخانة المصرية المصرية الصادرة في 1921؛ والتي قصرت قابلية الاطلاع وقتها على “قضاة المحاكم الأهلية والنائب العمومي ونوابه” في حال نظرهم قضية جنائية، أو في طلبات المصالح الحكومية بناء على تصريح من الوزارة التابعة لها.
أسست المادة 68 من الدستور المصري المعدل في 2014 مبدأً جديداً في التعامل مع المعلومات ذات الطبيعة العامة؛ وهى المعلومات الناشئة من خلال عمل كيانات ممولة جزئياً أو كلياً من المال العام، أو تتعلق بنشاط ذو طبيعة عامة كخدمات البنية التحتية. نصت المادة الدستورية على أن “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن”. ينظر النص الدستوري للمعلومات نظرة مغايرة عن تلك التي استقرت في بنية الدولة القانونية والإجرائية وثقافتها المؤسسية، المتراكمة عبر عقود من الممارسة والتشريع مكونة بناءاً تشريعي واجرائي ومؤسسي ينزع للسرية والحجب عوضاً عن الإتاحة والشفافية.

البنية القانونية:

جاءت التشريعات المصرية معززة للنظرة للمعلومات بوصفها ملكاً للدولة عوضاً عن كونها ملكاً للشعب، وجاء التشريع تلو الآخر، واللائحة تلو الأخرى لترسخ ذلك الاتجاه وتعززه في كلاً من بنية أجهزة الدولة الإدارية وما تفرزه من ثقافة مؤسسية لدى الموظفين العموميين. من أوائل القوانين التي ناقشت الصفة الدولتية للمعلومات قانون الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادر في 1964 والذي نصت مادته العاشرة على أنه “لا يجوز لأية وزارة أو هيئة أو جهة أو فرد من أفراد الحكومة أو القطاع الخاص أن ينشر بأي وسيلة من وسائل النشر أو الإعلام أي مطبوعات أو نتائج أو بيانات أو معلومات إحصائية إلا من واقع إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء”. قصرت تلك المادة نطاق الرسمية – وما يترتب عليه من تبعات قانونية كانت أو معرفية- على ما ينتجه الجهاز دون غيره، أما في حال أرادت جهة رسمية (وزارة أو إدارة محلية) أو كيان أكاديمي (جامعة أو مركز بحثي) أو غيرهم انتاج معرفة ذات بعد إحصائي عن أي من أنشطتها أو أي قضية بحثية أخرى فعليها الحصول على موافقة الجهاز لنشر نتائجها، حيث تستكمل المادة العاشرة من قانون الجهاز لتقرر : “أما الإحصاءات الغير مقررة ضمن برامج عمل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فلا يجوز نشرها إلا بموافقة الجهاز”.
أعقب حرب أكتوبر 1973 جدلاً حول المسئولية السياسية أو العملياتية عن ثغرة الدفرسوار، وفي محاولة من الرئيس الأسبق مـحمد أنور السادات في عرقلة أي رواية أخرى بخلاف رواية مؤسسة رئاسة الجمهورية، تم إصدار قانون “المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وتنظيم أسلوب نشرها” في 1975 والذي يمنع أي موظف عمومي” اطلع بحكم عمله أو مسئوليته أو حصل على وثائق أو مستندات غير منشورة …أن يقوم بنشرها أو بنشر فحواها كله أو بعضه إلا بتصريح خاص يصدر بقرار من مجلس الوزراء”. وضع القانون أيضاً في يد رئيس الجمهورية وحده سلطة إدارة جميع وثائق الدولة متى تعلقت بالسياسات العليا للدولة أو بالأمن القومي، دون وجود أي تعريف لأياً من المصطلحان أو ترسيم لحدودهما. وفي، 1979، أصدر رئيس الجمهورية قراره استنادا على ذلك القانون بتحديد مدد لحجب الوثائق لمدة 15 سنة للوثائق المصنفة بتصنيف “سري”، و30 سنة للوثائق المصنفة بتصنيف “سري للغاية”، وبانقضاء تلك المدد يمكن لرئيس الجمهورية أن يقرر استمرار حجب الوثائق لمدد تمتد حتى 20 سنة إضافية بحسب تصنيفها. خلا كلاً من قرار رئيس الجمهورية والقانون من أي معايير ترسم حدود سلطة الرئيس في إدراج إى معلومات تحت مظلة السياسات العليا للدولة أو الأمن القومي. وعند تولي الرئيس الأسبق مـحمد حسني مبارك منصب رئاسة الجمهورية، قام بتعديل القانون السابق في 1983 ومد حظر نشر الوثائق أو فحواها على حائزي الصفة النيابية العامة، أي نواب السلطة التشريعية.
ثم أتي قانون “العاملين المدنيين في الدولة” في 1978 وحظر على أي موظف عمومي الإدلاء بأية معلومات عن أعمال وظيفته دون تصريح كتابي من رؤسائه. وعند إحلال قانون العاملين بالدولة بقانون الخدمة المدنية في 2015، وعلى الرغم من الالتزام الدستوري بإتاحة المعلومات بوصفها ملكاً للشعب، أتي قانون الخدمة المدنية ليطور من حظر إدلاء الموظفين العموميين بأية معلومات عن أعمال وظيفتهم، بما يشمل وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الإجتماعي، أو أي وسيلة من وسائل النشر العلانية. كما أسبل قانون الخدمة المدنية ستار السرية على محاضر اجتماعات لجان الموارد البشرية، والتي كانت في حد ذاتها – وطرق تشكيلها- أحد نقاط الخلاف بين الموظفيين والدولة.
شكلت تلك القوانين وغيرها بناءاً تشريعياً ينزع لإضفاء صفة السرية على أعمال الدولة ومعلوماتها، دون أي قواعد أو معايير يمكن بها تحديد ما يمكن إعتباره معلومات سرية وأخرى متاحة ، ما نزع بجهاز الدولة الإداري إلى تفضيل حجب المعلومات عن الجمهور، متمثلاً في غياب أي إجراءات تمكن المواطنين من طلب أو الحصول على المعلومات.

البنية الإدارية والثقافة المؤسسية

أدت التشريعات المصرية ونزوعها للحجب إلى خلق بنية إدارية وثقافة مؤسسية داخل الهيئات العامة تنزع بدورها إلى الحجب وعدم إتاحة معلومات عن كيفية أداءها لأدوارها. قام مركز دعم لتقنية المعلومات خلال عام 2013 بإجراء تقييم لإفصاح أجهزة الدولة عن المعلومات وشمل أربع وزارات خدمية وهي الصحة والبيئة والإسكان والتعليم. خلال التقييم قام باحثو المركز بالتواصل مع الوزارات وطلب معلومات ذات صفة عامة وغير سرية في طبيعتها. قامت باحثة بالمركز بالتواصل مع وزارة التربية والتعليم عن طريق البريد الإلكتروني طالبة الاستفسار عن عدد الطلاب في منطقة الزيتون التعليمية مقسمين لإناث وذكور خلال الأعوام الثلاثة السابقة. قامت الوزارة بالرد إلكترونياً مستفسرة عن إسم طالب المعلومة، ووظيفته، وسبب الرغبة في الحصول على المعلومات، والجهة التي تطلب تلك المعلومة من الباحثة. وخلال تواصل الباحثة طالبتها الوزارة بإحضار موافقة الإدارة المركزية للأمن على الحصول على تلك المعلومات، مرفقاً بها صورة بطاقة تحقيق الشخصية. رفضت الإدارة المركزية للأمن –تليفونياً- إصدار موافقة للحصول على المعلومات سوى في حال تزويدهم بخطاب من الهيئة التابعة لها الباحثة مع ذكر أسباب الحصول على تلك المعلومات. وعندما أوضحت الباحثة إنها غير تابعة لهيئة ما – كان الهدف من التقييم قياس قدرة المواطنيين العاديين على الحصول على المعلومات – وإنها مجرد مواطنة مهتمة بالتعليم في مصر، طالبتها إدارة الأمن بالتوجه لمقرها مصطحبة معها بطاقة تحقيق الشخصية. عندما توجهت الباحثة لمقر إدارة الأمن، كانت أسئلة الأمن تتنوع بين سؤالها عن لماذا تريد المعلومات، وعندما كررت الباحثة الإجابة كان الرد أنه ” مفيش حاجة اسمها كدة” ووجهوها لمقابلة اللواء المسئول عن أمن الوزارة، وعند مقابلة اللواء دار الحديث حول “ما لم تتاح (المعلومة) على ا لموقع الالكترونى للوزارة هو ليس متاح لجميع الأشخاص و اذا كان هناك احتياج لما هو غير متاح فيتوجب الافصاح عن السبب” أو “شوفى حد مسجل رسالة وخليه يجيبلك تصريح وانا اديكى المعلومات اللى انتى عاوزاها لأن الوزارة جهه لا تتعامل مع افراد بل تتعامل مع جهات فلازم خطاب رسمى من جهه معينة “. تكشف تلك التجربة، وغيرها احتواها التقييم، عن غياب أي إجراءات تمكن الجمهور من الحصول على المعلومات ذات الطبيعة العامة من الهيئات العامة، كما كشفت عن التوجه الأمني في إدارة المعلومات، وسيادة ثقافة مؤسسية لا تعترف بحق المواطنين في الحصول على المعلومات.
كما قام مركز دعم لتقنية المعلومات بتوثيق شهادات الجمهور حول عدم تمكنهم من الحصول على المعلومات، كشفت الشهادات عن عدم تمكن عموم الجمهور من الوصول إلى المعلومات رغم توفر دوافع تنموية ومهنية تدفعهم لطلب المعلومات. كما لوحظ عدم تمكن الصحفيين – الممكنين قانوناً من الحصول على المعلومات بحسب نص قانون الصحافة- من الحصول على معلومات رسمية حتى ولو بشكل شفاهي من الموظفين العموميين.
وفي تقييم لمستويات الإفصاح الاستباقي عن المعلومات، أي نشر الجهات العامة لمعلومات عن أنشطتها بصورة علنية دون الحاجة إلى التقدم بطلب للإفصاح، قام المركز بتقييم المواقع الإلكترونية لنحو 23 وزارة خلال الأعوام من 2013 وحتى 2015، وخلال جميع سنوات التقييم، لم تتعد أي وزارة نصف درجات التقييم، كاشفة عن غياب منهج إداري ينزع للشفافية ولحق المواطنين في المعرفة.

تُشكل العوائق التشريعية، والإدارية، والثقافية حاجزاً أمام حق الجمهور في الحصول على المعلومات. وعلى الرغم من تضمين هذا الحق في الدستور المصري، ينتظر إصدار قانون ينظم ممارسة هذا الحق بما يتماشى مع المعايير الدولية في نظم تداول المعلومات، بما بنزع القيود التشريعية، ويعدل من البنية الإدارية، وبالتالي يحسن الثقافة المؤسسية بما يدعم شفافية الجهات العامة في قيامها بأدوارها، ويعزز من مسائلتها من قبل الجمهور.

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone