المعايير الاسترشادية لقانون دار الوثائق

تعيق القوانين الحالية المنظمة للأرشيفات العامة من قدرة دار الوثائق على أداء دوره كأرشيف وطني، وتتناثر النصوص القانونية المنظمة للوثائق بين أكثر من قانون وتعطي الصلاحيات التنظيمية على الوثائق لأكثر من جهة (دار الوثائق – دار الكتب والوثائق القومية – رئيس الجمهورية – وزير المالية – وزراء العدل والداخلية). كما يقيد قانون دار الوثائق الحالي من تطور الأرشيفات الخاصة، ويقيد حق المواطنين في الاطلاع. مما يجعل دار الوثائق جهة تنفيذية ذات سمة إستشارية من دون صلاحيات تمكنها من الحفظ الفعال للوثائق التي تشكل تاريخ الدولة الإداري.

تقدم هذه الورقة معايير استرشادية لوضع قانون فعال لدار الوثائق والأرشيفات الوطنية في مصر، مستندةً إلى المعايير الدولية والممارسات الدولية الفضلى.

الإطار العام للتشريع

تحدد فلسفة القانون سياق نصوصه القانونية، لذلك يجب أن يتم صياغة القانون ضمن رؤية أوسع تشمل تصور دور دار الوثائق في تعاملها مع الشقين الإداري والمعرفي للوثائق، ودورها في نمو الأرشيفات والاهتمام بالوثائق. يشمل الشق الإداري كفاءة عمل دار الوثائق في الحفظ الفعال لوثائق الدولة الإدارية، حيث لا يقف دورها على استقبال الوثائق، بل يتعداها لتقرير آليات الحفظ داخل الأرشيفات الحكومية مع وجود آلية فعالة لتحقيق ذلك. يجب أن ينص القانون وبشدة على عدم التخلص من أي أوراق أو مستندات أو خلافه دون تصريح من دار الوثائق. كما يجب يسبل القانون الصفة الوثائقية على جميع الصور المادية لحفظ المعلومات، ورقية كانت أو إلكترونية وخلافه.

اما بالنسبة للدور المعرفي لدار الوثائق، يجب أن يعزز القانون من حق النفاذ إلى الوثائق ومطالعتها، كما تضع العلاقة بين الأرشيف الوطني والأرشيفات الخاصة الدعامة لتطور الأخيرة، وإثراء الأرشيف الوطني بتمكينه من النفاذ إلى مواد وثائقية لايدرك وجودها حالياً نظراً لمعوقات التشريعات الحالية.

يجب أن يضمن القانون استقلالية دار الوثائق عن التأثير ذو الطبيعة السياسية، وذلك يتمثل في معايير اختيار هيئتها الإدارية، والسلطات التي تتمتع بها، بما يكفل أداءها لأدوارها المنصوص عليها قانوناً.

التعريفات

تعريف الوثائق: يجب أن يحتوى القانون على تعريف للوثائق، بحيث يتم صياغة هذا التعريف بصورة منفتحة تقبل التنويعات المختلفة لطرق حفظ البيانات والمعلومات. وأن يبتعد التعريف عن تعداد وسائط حفظ البيانات وأنواع البيانات بحيث لا يقصر الحماية القانونية على ما يذكره القانون، بل يتعداه لجميع الصور المادية لحفظ المعلومات.

تعريف الأرشيفات: يجب أن ينص القانون على تعريف واضح وعام للأرشيف يمكن منه التفرقة لاحقا بين الأرشيفات العامة والأرشيفات بعمومها والأرشيفات الخاصة. يجب أن يحدد القانون آلية تقييم “الصفة الأرشيفية” لنظم حفظ المعلومات، والنص على الكيفية التي سيتم بها تقرير الصفة الأرشيفية للمجموعات الوثائقية، والتفرقة بينها وبين المجموعات الوثائقية غير الأرشيفية. كما يجب أن ينص القانون على آلية ومعايير تقييم الأهمية المعرفية والبحثية للأرشيفات الخاصة. كما يجب أن يراعي التعريف شمول الأرشيفات العامة كل الأرشيفات التي يتم تمويل الجهات التابعة لها من المال العام، سواء بصفة جزئية أو كلية، وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة. كما يجب أن يتسع تعريف الأرشيفات الخاصة ليشمل كل ما لا يتم اعتباره أرشيف عام أو وطني.

التنظيم الإداري لدار الوثائق

يجب أن يفصل القانون الأطر الإدارية لدار الوثائق بصورة تقيها التدخل ذو الطبيعة السياسية، على أن يحدد كلاً من طرق تشكيل مجلس الدار واختيار مديره، مهام وصلاحيات كلاً من مجلس الدار، ومديره، والجهة الوزارية التابع لها في سياق تعاملهم مع دورة الوثائق داخل وخارج دار الوثائق.

مجلس إدارة دار الوثائق: يجب أن ينص القانون على تشكيل مجلس إدارة دار الوثائق بطريقة شفافة وتسمح بالمدخلات العامة، وأن يوازن القانون في تشكيل مجلس الإدارة بين تمثيل الأجهزة الإدارية ، والكفاءات الأكاديمية المهتمة بالأرشيف، و الخبرات المهتمة بالإنتاج المعرفي والبحثي والتاريخي، وممثلين مجتمعيين، على أن يضمن عدم ارتباط الأعضاء الغير ممثلين للأجهزة الإدارية بالسلطة التنفيذية.

مدير دار الوثائق: يجب أن ينص القانون على آليه اختيار مدير دار الوثائق بطريقة شفافة وتسمح بالمدخلات العامة، وأن ينص على معايير وجهة الاختيار، وصلاحيات ومهام مدير الدار، وسبل ومعايير إعفاءه من منصبه.

التبعية الوزارية: يجب أن يراعي القانون وضعية دار الوثائق بالنسبة لباقي هيئات الدولة، وأن يتم تحديد مكانتها بما يضمن كفاءة ممارستها لأدوارها. ففي حالة تبعيتها لوزراة الثقافة، وهو معمول به حالياً، يجب أن يضمن القانون قدرة الدار على إنفاذ سياساتها على باقي الهيئات العامة، أو ـن يتم إلحاقها برئاسة الوزراء أو وزارة معنية بالتنسيق الإداري لعمل الدولة بما يعطي الدار القدرة على النفاذ إلى دولاب العمل الحكومي.

السلطات والمهام

يجب أن يعطي القانون للقائمين على دار الوثائق القدرة على إصدار قواعد ولوائح ملزمة للهيئات العامة فيما يخص تعاملها مع الوثائق، بما في ذلك إصدار القواعد التنظيمية ، ومعايير إصدار، وحفظ الوثائق، ومعايير التدريب والبرامج اللازمة للتعامل مع الوثائق. كما يجب أن ينص القانون على ولاية دار الوثائق على الوثائق الإدارية للدولة بحيث لا يتم التخلص منها سوى بموافقة الدار وبعد تقييمها لها. وعلى القانون أن يفصل الأطر العامة للتقييم، والتي يفصلها الدار في سياسته العامة، والتي يتم وضعها بدورها بالتعاون بين مجلس الدار ومديره بصورة تسمح بالمدخلات العامة، والتأكيد على إصدارها ونشرها بصورة دورية بحيث تعبر عن سياسات الدار في إنفاذه لمهامه كما وضعها القانون.

إضافة إلى ذلك، يجب أن يحدد القانون، وبوضوح، توزيع المهام الإدارية والتنفيذية بين المجلس ومدير الدار، وكذلك الدور الاستشاري للمجلس وأطره.

  • مهام دار الوثائق: يجب أن ينص القانون على مهام دار الوثائق والتي تتوزع بين أدواره المتعلقة بالوثائق داخل الدار المتعلقة (كمعايير حفظ الوثائق وتصنيفها وصيانتها) وتلك المتعلقة بتيسير الاطلاع ( كإعداد ونشر الأدلة، وآليات الاطلاع والنسخ، الفعاليات الموجهة للجمهور outreach).
  • سلطات دار الوثائق: لكي يتمكن دار الوثائق من القيام بمهامه، يجب أن ينص القانون على صلاحيات دار الوثائق في تحديد معايير التعامل مع الوثائق داخل الهيئات العامة ( مسئوليات مكاتب السجلات في أرشيفات الهيئات العامة – تدريبات ومؤهلات مسئولي الحفظ – إصدار وتحرير الوثائق – الحفظ) مع النص على حق الدار في معاينة دورة الوثائق داخل الهيئات العامة.
  • دورة الوثائق: لضمان العناية بالوثائق الإدارية للدولة والحفظ الملائم لها، يجب أن ينص القانون على أطر دورة الوثائق منذ إصدارها داخل الهيئات العامة وحتى إيداعها لدي دار الوثائق، وسواء أناط القانون تنظيم بعض مراحل تلك الدورة إلى جهات أخرى بخلاف دار الوثائق (يجعل القانون المصري الحالي من وزير المالية المسئول عن إصدار لائحة المحفوظات الحكومية) أو كانت من اختصاصات الدار، يجب ألا يتم التخلص من أي مستندات أو خلافه دون خضوعها لتقييم دار الوثائق وتقريرها لحفظها أو تصريحها بإعدامها.
  • مدد الحفظ داخل الهيئات : يجب أن يحدد القانون المدد التي تبقى فيها الوثائق بحوزة الهيئات المصدرة لها والمتعاملة بها، على ألا تتجاوز تلك المدد عتبة تقييد الاطلاع. يجب أن ينص القانون على الآلية التي يمكن بها تمديد مدة الحفظ داخل الهيئات. على أن تقع تلك الوثائق في كل الأوقات تحت العناية الملائمة لحفظ سلامتها المادية، مع قدرة دار الوثائق على معاينتها داخل الهيئات العامة.
  • التقييم والنقل والإتلاف: يجب أن ينص القانون على أطر معايير تقييم الوثائق من قبل الدار قبل تقرير نقلها للحفظ الدائم أو تقرير إتلافها، على أن تشمل المعايير – على الأقل- القيمة الإدارية والمعرفية للوثائق، ودلالتها، والقيمة البحثية، والقيمة القانونية، وقدرة الوثائق على تمثيل غيرها ممن لم يقع عليها الاختيار للحفظ، والفترة الزمنية/الطبيعة الخاصة للظاهرة التي تم خلالها إنشاء الوثيقة، وأهمية الهيئة المصدرة للوثيقة، والهيئة المادية للوثائق، وقابليتها للحفظ . وفي كل الأحوال، يجب أن يتمكن دار الوثائق من صياغة تلك المعايير العامة في معايير تفصيلية وإدراج معايير إضافية في سياسته التقييمية. يجب أن ينص القانون بوضوح على سلطة دار الوثائق في التصريح بالتخلص من الوثائق داخل الهيئات العامة ، وعدم إعدام أي مستندات وخلافه دون عرضها على دار الوثائق وتصريحها بإعدامها.

الأرشيفات الخاصة

يهمل القانون الحالي الأرشيفات الخاصة ويعيق تطورها. لذلك، يجب أن يتبنى قانون دار الوثائق فلسفة منفتحة على التعامل مع الوثائق الخاصة خارجه، بحيث تصاغ العلاقة بين الأرشيف الوطني والأرشيفات الخاصة في إطار التعاون وتبادل الخبرات وليس من منطلق الصراع والاستحواز. تمكن تلك الرؤية من تنمية الواقع الأرشيفي المصري بما يدعم المصادر المختلفة للتأريخ.

  • القيمة المعرفية/البحثية للأرشيفات الخاصة: يجب أن ينص القانون على تدعيم الأرشيفات الخاصة، مع إلزام دار الوثائق بتسجيل الأرشيفات الخاصة ذات الأهمية التاريخية والبحثية، مع وضع آلية لتقييم تلك الأهمية، على ألا يؤثر ذلك في ملكية تلك الأرشيفات لحائزيها.
  • آليات التعاون: يجب أن ينص القانون على التعاون وتبادل الخبرات بين دار الوثائق والأرشيفات الخاصة، بدءاً من التسجيل، وتوفير الخبرات والتدريب، وإمكانية تمويل دار الوثائق لأساليب الحفظ داخل الأرشيفات الخاصة، وقدرة دار الوثائق على الحصول على نسخ من الوثائق ذات الأهمية البحثية والتاريخية.
  • التعامل مع الوثائق الخاصة: يجب أن يأتي القانون بآلية تمكن الجمهور من مطالعة الوثائق، وتمكن دار الوثائق من حماية التاريخ الوثائقي من التصرف فيه بطريقة تهدد سلامة الوثائق أو النفاذ إليها. يجب أن يعطي القانون لدار الوثائق آلية قانونية لحق الشفعة حال عرض الوثائق والأرشيفات للبيع، مع عدم النص على آلية الاستيلاء التي من شأنها إعاقة تطور الأرشيفات الخاصة كما هو الوضع في القانون الحالي. كذلك أن يشترط القانون عدم نقل الوثائق خارج حدود الدولة دون تصريح دار الوثائق، مع امكانية الدار قبول الوثائق عبر الهبة والإعارة والإيداع.

النفاذ إلى الوثائق

تحدد سياسات الاطلاع موقف القانون من تمكين الجمهور من النفاذ إلى المعرفة التي تحتويها وثائق الأرشيف الوطني، ويعد تمكين الجمهور من استخدام الوثائق أحد الملامح الرئيسية للأرشيفات الوطنية بخلاف اتجاه التقييد الذي يعرقل مطالعة الوثائق في القانون الحالي. لذلك يجب أن ينص القانون بوضوح على خق الجمهور في النفاذ إلى الوثائق، وأن يرسم آليات تطبيق هذا الحق بشكل يحمى الجمهور من التعسف في تفسيره.

  • الاطلاع: يجب أن ينص القانون بصياغة واضحة على خضوع جميع الوثائق للإتاحة العامة إذا ما تعدى عمرها فترة تقييد الاطلاع، مع النص على عدم حاجة الجمهور إلى أي تصريح مسبق لمطالعة الوثائق. قد يحدد القانون آلية التسجيل من أجل استخدام غرف المطالعة والحصول على أصول الوثائق، على أن يكون هذا التسجيل إجرائياً غير قابل للرفض، ويهدف بالأساس إلى الحماية المادية للوثائق. يجب أن ينص القانون على توفير أدلة الاطلاع ونشرها عبر الانترنت بوصفها أحد الأدوات الممكنة من النفاذ إلى الوثائق، مع تشجيع إتاحة الوثائق رقمياً عبر الانترنت. وفي حالة هشاشة الحالة المادية للوثيقة، على القانون أن يلزم دار الوثائق بتوفير نسخة منها، رقمية كانت أو غيرها، على أن يلزم القانون الدار برقمنة أي وثيقة فور تحديد هشاشة حالتها المادية.
  • الإتاحة العامة والمقيدة: يجب أن يحدد القانون فترات الإتاحة المقيدة ضمن ما تعارفت عليه التجربة الدولية (من 15 إلى 30 سنة) مع النص على قدرة دار الوثائق في تمكين الباحثين وغيرهم من مطالعة الوثائق تحت الإتاحة المقيدة بموجب تصريح الدار، على أن يرسم القانون معايير إصدار التصاريح وتقييم طلبات الاطلاع. وفي حالة الرفض، يكون الرفض مكتوباً ومسبباً ويحتوى جميع البيانات التي تمكن طالب الاطلاع من التقاضي أمام المحكمة المختصة التي يحددها القانون. يجب أن يراعي القانون مدد الإتاحة المقيدة بالنسبة للوثائق التي تحتوي بيانات ذات طبيعة شخصية لحماية خصوصية الأفراد، مع إلزام الدار بالإعلان الدوري عن جميع الوثائق التي تعدت الإتاحة المقيدة. كما يجب أن ينص القانون على خضوع الاطلاع على الوثائق لأي قانون آخر ينظم حق تداول المعلومات بحيث يصبح معياراً لتمكين الباحثين من النفاذ إلى الوثائق تحت الإتاحة المقيدة.
  • نسخ الوثائق: يجب أن يتيح القانون نسخ الوثائق بصورها المختلفة، مع تحديد آلية تقييم تكلفة النسخ بما لا تتعدى تكلفة الوسيط (الورقي أو الإلكتروني أو غيرهما).

لتحميل الورقة نسخة PDF

  archive_law_principles.pdf (631.8 KiB)

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone