النفاذ إلى وثائق الأرشيف الوطني

يمثل حق الجمهور في الاطلاع على الوثائق التي تحوزها الأرشيفات الوطنية اكتمال لدورة الوثائق؛ فبدون القدرة على الإطلاع على الوثائق المحفوظة بعناية داخل دار الوثائق تبقى هذه الوثائق كماً مهملاً ذو قوة معرفية مجمدة، حيث تتميز الأرشيفات الوطنية بخاصية معرفية وأكاديمية خاصة بوصفها مستودع لتاريخ من العمل الإداري للدولة.

قامت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو” في عام 1974 بعقد مؤتمر دولي في باريس جمع ممثلين 68 دولة مع أكبر المؤسسات المهتمة بالأرشيف والمكتبات: الفيدرالية الدولية للتوثيق، الفيدرالية الدولية للمكتبات، والمجلس الدولي للأرشيف. كان الهدف من هذا المؤتمر هو الوصول إلى معايير لنظم إدارة المعلومات الوطنية، بما يشمل المكتبات العامة والأرشيفات الوطنية. وبعد عشرة سنوات من هذا المؤتمر، طرحت اليونيسكو القواعد الإسترشادية التي يجب مراعتها عند التشريع للأرشيفات الوطنية. والتي سميت نظم المعلومات الوطنية National Information Systems (NATIS). أولت المبادئ الإرشادية أهمية بالغة للاطلاع والنفاذ إلى الوثائق من الجمهور بوصفه الهدف النهائي من الأرشيفات الوطنية، ونصت على تمكين الجمهور من الاطلاع على وثائق الأرشيفات الوطنية باعتباره أحد معايير قوانين الأرشيفات الجيدة. قامت تلك القواعد بمعالجة التشريع للاطلاع والنفاذ إلى وثائق الأرشيفات الوطنية من خلال عدة محاور وهي: السلامة المادية للوثائق، المدة الزمنية لحجب الوثائق، والإستثناء من مدد الحجب. كذلك إعادة نسخ الوثائق وعلاقته بالملكية الفكرية والأثر القانوني المترتب على الوثيقة.

من أجل تيسير إطلاع الجمهور على الوثائق، تقوم معظم الأرشيفات الوطنية حول العالم بتنظيم أدلة للاطلاع تحتوي داخلها على معلومات تمكن الأفراد من تحديد الوثائق الراغبين في مطالعتها، ويتم عادة توفير تلك الأدلة عبر الانترنت، وعند زيارة مؤسسة الأرشيف، ومن أجل استخدام غرف المطالعة والحصول على الوثائق، يقوم الراغبون بتسجيل بياناتهم لدى مؤسسة الأرشيف للحصول على الوثائق واستخدام غرف المطالعة، فبخلاف آلية طلب المعلومات لدى الهيئات العامة – والتي لاتستدعى سوى تسجيل بيانات التواصل لطالب المعلومة- يتم توفير عادة أصل الوثيقة داخل الأرشيفات الوطنية أو نسخة منها معدة للاستخدام داخل مؤسسة الأرشيف في حال الوثائق المعرضة للتلف، وذلك على خلاف طلبات الحصول على المعلومات من الهيئات العامة التي عادة ما يتم إعداد نسخة خاصة من الوثائق أو المعلومات لطالب الاطلاع.

كما قسمت المبادئ الإسترشادية، السابق ذكرها، إتاحة الوثائق للاطلاع لنوعين من الإتاحة: الإتاحة مقيدة قدرتها بمدة من 25 إلى 30 عام، وإتاحة عامة لما يتجاوز هذه المدة. ثم أضافت المعايير الدولية لقوانين تداول المعلومات آلية مفوضيات المعلومات كمحكم لإلتزام الأرشيفات الوطنية – مثلها مثل باقي الهيئات العامة – بمعايير تداول المعلومات المقرة قانوناً بالنسبة للوثائق ذات الإتاحة المقيدة.

أدلة الاطلاع

تعتبر أدلة الاطلاع، ومدى توافرها، وشمولها لجميع الوثائق التي تحتويها الأرشيفات الوطنية بمثابة بوابة الجمهور لاستخدام الأرشيف والاطلاع على الوثائق. ففي حين يكتفى عدد من الأرشيفات الوطنية بإتاحة تصنيف عام للمجموعات الوثائقية التي تحتويها، مع بيان لأماكن حفظها مع وصف العام للمجموعات التى تحتويها الأقسام المختلفة للأرشيفات الوطنية على أن تتم مطالعة الأدلة التفصيلية داخل أماكن الحفظ، يهتم الاتجاه المعاصر في تصميم الأدلة بإتاحتها إلكترونياً، والتوسع في إدراج معلومات مفصلة عن الوثائق ذاتها عوضاً عن الإكتفاء بإتاحة عناوين عامة للمحتويات. ففي حين تكتفي دولة مثل الأرجنتين بعرض دليل للأقسام المختلفة للأرشيف والعناوين العامة لمحتويات تبعاً للتصنيف، والجهة المصدرة للوثيقة، وسنة الإصدار، على أن يتم مطالعة الأدلة المفصلة داخل المستودعات الأرشيفية المختلفة، نجد في جنوب افريقيا اهتمام الأرشيف الوطني بتوفير معلومات مفصلة عن الوثيقة ذاتها داخل دليله المتوافر عبر الانترنت، حيث يقوم الأرشيف الوطني بإدارة النظام الوطني لإسترجاع المعلومات الأرشيفية آلياً والذي يحتوي على معلومات مفصلة عن الوثائق المحفوظة وجهة حفظها؛سواء في الأرشيفات الإقليمية والمستودعات الأرشيفية الوطنيةتم بدء هذا النظام في 1975، ويتم تغذيته سنوياً بما يقارب 250 ألف وثيقة جديدة، ويهدف النظام الإلكتروني إلى رقمنة جميع الأدلة الورقية ، ويقوم بعرض الوثائق تبعا لنوعها ( مراسلات، محاضر إجتماعات، وثائق مالية …إلخ) ووسيطها ( ورقي، صور، خرائط، ميكروفيلم، كاسيت، أسطوانات جرامافون …إلخ)، وجهة الحفظ، مع وصف موجز لمحتويات الوثيقة.

وفي المملكة المتحدة، يقوم الأرشيف الوطني بعرض مفصل لجميع الوثائق التي يحتويها، مع توفير نسخة للاطلاع عبر الإنترنت لبضع مجموعات الوثائق تقارب 5% من محتويات الأرشيفات، يعرض التصنيف الرقم التعريفي للوثيقة، ووصفها، وطبيعتها (وثائق عامة أو خاصة) وتاريخ إصدارها، وجهة الحفظ، وسواء كانت الوثيقة تحت الاتاحة المقيدة أو العامة، مع بعض البيانات الإضافية التي تختلف بين وثيقة وأخرى.

وفي استراليا، يوفر الأرشيف الوطني بوابة للبحث عن الوثائق عبر الانترنت ، حيث يقوم المستخدم بكتابة الكلمات الدلة للبحث، ليستطيع معاينة جميع الوثائق التي تحتوى على المعلومات المطلوبة. تعرض البوابة نسخ إلكترونية لعدد كبير من الوثائق، مع عرض لجميع البيانات التى يمكن من خلالها الاطلاع على الوثيقة ( اسم الوثيقة، رقم الحفظ، جهة الحفظ، نوع الوسيط، نوع الإتاحة).

تتعدد الأمثلة التي تقوم فيها مؤسسات الأرشيفات الوطنية بتقديم أدلة مفصلة ومتاحة إلكترونياً عبر الانترنت، وسواء قامت الأرشيفات الوطنية بتوفير نسخ من الوثائق على موقعها، أو اكتفت بالمعلومات التي يمكن بها الاستدلال على الوثائق داخل الأرشيفات، يبقى هذا النوع من الأدلة ضروري لتمكين الجمهور من استخدام الأرشيفات العامة

الإتاحة العامة والإتاحة المقيدة

لكون الحالة المادية لبعض الوثائق قد تستدعى معايير خاصة عند التعامل معها، ترى المبادئ الإسترشادية للأمم المتحدة أنه يجب أن يخضع النفاذ للوثائق لمحددات تهدف الحفاظ على السلامة المادية للوثائق يتم النص عليها بوضوح في التشريع، مع التفريق بين نوعين من النفاذ: الإتاحة العامة، بمعنى أن يكون النفاذ للوثائق متاحاً لعموم الجمهور، والإتاحة المقيدة، بمعني أن يقتصر النفاذ للوثائق على أحاد الباحثين. في أياً من الأحوال، يجب أن ينص التشريع على المدد الزمنية التي يتم خلالها تقييد النفاذ إلى الوثائق. وتقوم معظم الدول بتحديد فترات التقييد بحد أقصى من 25 إلى30 سنة. وأيا ما كانت مدة تقييد النفاذ و معايير التقييد، من الضروري أن تتوافر آليات للنفاذ لبضع تلك الوثائق المحجوبة بعد إنقضاء مدد أقصر (أو أكثر طولاً) من تلك المقررة، وذلك عن طريق تقرير استثناءات عامة، وبتمكين أحاد الباحثين من النفاذ إليها في حالات تشكل استثناء عن القاعدة. يذكر أن تلك المبادئ الإسترشادية قد أقرت خلال ثمانينات القرن العشرين، إلا أن تطور منظومات الاطلاع، وإن أقر العتبات الزمنية لحجب وثائق الأرشيفات الوطنية، إلا إنه وفر آلية بديلة متمثلة في قوانين حرية المعلومات التي تسمح بالتقييم الفردي لنوع الوثائق المطلوب الاطلاع عليها وتحديد قابلية اطلاع الأفراد عليها حال تقدمهم بطلبات اطلاع محددة بحسب الآلية التي يوفرها القانون.

يحكم الاطلاع على الوثائق عدة عوامل تختلف باختلاف الأطر القانونية والتنظيمية من دولة لأخرى، وعادة ما يحكم قانون تداول المعلومات الاطلاع على الوثائق التي تحوزها مختلف الهيئات العامة قبل إيداعها لدى الأرشيف الوطني. تنظم قوانين الأرشيفات أو قوانين الوثائق الإدارية المدد الزمنية التي يمكن خلالها للهيئات العامة الاحتفاظ بالوثائق في حوزتها. وعند ايداعها بالأرشيف الوطني يتم احتساب عمر الوثيقة، فإذا تجاوز عمر الوثيقة مدة الإتاحة المقيدة المقرة قانوناً يتم إتاحة الوثائق للاطلاع العام غير المقيد. وإن لم يتعد عمر الوثيقة عتبة تقييد الاطلاع، يتم إدراجها في أدلة الاطلاع، على أن يتم الاطلاع عليها من خلال طلب خاص يمكن قبوله أو رفضه تبعاً للمعايير قوانين تداول المعلومات، وذلك حتى انقضاء العتبة الزمنية وطرحها للاطلاع العام حيث يستطيع الجمهور الاطلاع على الوثائق دون الحاجة إلى طلبات خاصة.

كما قد تمتد الإتاحة المقيدة لبعض الوثائق ذات الأهمية العسكرية أو الأمنية ، أو تلك التي تحتوي على معلومات ذات طبيعة شخصية كسجلات المرضى أو ما إلى ذلك من معلومات قد تنتهك خصوصية الأفراد. وفي كل الأحوال، يجب أن تنص التشريعات المنظمة للوثائق والمعلومات بوضوح على معايير وآليات السرية والحجب، والمدد الزمنية التي ينقضي بها كلاهما.

ففي كرواتيا، يحدد القانون الإتاحة المقيدة بفترة 30 عام ، وقد تقل عن هذه المدة في حال كانت الوثيقة تمس الشأن العام، أو بالاتفاق مع الجهة المصدرة للوثيقة. ويضع القانون مدة قصوى للإتاحة المقيدة بخمسين عام في حال احتواء الوثيقة على معلومات تتعلق بالدفاع أو الأمن الوطني، أو أدت إتاحتها إلى الإضرار بالأمن العام أو المصالح الاقتصادية بالدولة. أما بالنسبة لحماية خصوصية الأفراد، فتمتد الإتاحة المقيدة إلى 70 عام من تاريخ تحرير الوثيقة، أو 100 عام من تاريخ ميلاد الشخص.

وفي الدنمارك، يحدد القانون مدة الإتاحة المقيدة بفترة 20 عام مالم تحتوى الوثائق على معلومات ذات طبيعة شخصية، وفي هذه الحالة تمتد الإتاحة المقيدة حتى 75 عام من تاريخ إصدار الوثيقة. أما بالنسبة للوثائق ذات الأهمية العسكرية، أو الدبلوماسية، أو الاقتصادية، أو المصالح الشخصية للأفراد والشركات الخاصة،والتى من شأن إتاحتها الإضرار بالمراكز المذكورة للدولة أو الأفراد الطبيعيين أو القانونين، يضع القانون مدة 50 عام للإتاحة المقيدة قد تمتد حتى 60 عام، ولا يمكن تمديد الإتاحة المقيدة لأكثر من ذلك دون التفاوض بين الجهة المصدرة للوثيقة ووزير الثقافة. يفصل القانون بعض المدد االمختلفة لأنواع مختلفة من الوثائق لاتتجاوز مدة الخمسين عام لوثائق الكنائس، وعشرة أعوام لسجلات الوفاة والدفن، وعشرين عام لوثائق المحاكمات. يحدد القانون آلية تقييم طلبات الاطلاع على الوثائق مقيدة الإتاحة، حيث يلزم القانون الأرشيف الوطني – والهيئات المصدرة للوثائق التي يشترط القانون موافقتها على الاطلاع – تقييم الطلب بناء على الهدف من الاطلاع، مع إيلاء عناية بتيسير الاطلاع في حال وجود مصلحة شخصية أو علاقة خاصة بالوثائق محل الطلب. وعلى الرغم من أن القانون يعطي للهيئات المصدرة للوثائق حق رفض الاطلاع عليها، إلا أنه يعطى لطالب الاطلاع حق استئناف القرار أما الجهات الإدارية والقضائية المختصة. كما يلزم القانون وزير الثقافة بتشكيل لجنة يرأسها قاض، وبعضوية اثنان من ممثلي المجتمع البحثي، وممثلان للصحافة، وثلاث ممثلين للهيئات الإدارية، حيث تقوم اللجنة بتقييم آلية الاطلاع سنوياً عن طريق فحص البيانات المتعلقة بالاطلاع والتي يحوزها الأرشيف الوطني والهيئات المصدرة للوثائق، وتقوم اللجنة برفع تقريرها لوزير الثقافة بناء على تقييمها لآلية الاطلاع.

وباختلاف مدد تقييد الاطلاع، يظل قانون تداول المعلومات هو العامل الأهم في ضمان حق الجمهور في الاطلاع على الوثائق خلال فترة تقييد الاطلاع، في مقابل حماية مصالح الدولة وخصوصية الأفراد.

الاطلاع على الوثائق في مصر

على الرغم من نص القانون المصري على قدرة الجمهور على الاطلاع على الوثائق، إلا أن منظومة الاطلاع ككل تعبر عن نظام مبهم لا يملك آليات واضحة ومحددة تمكن الجمهور من الاطلاع على الوثائق كحق.
تتناثر مواد الاطلاع بين قانون دار الوثائق ضمن صلاحيات مجلس إدارة الدار في “وضع شروط الاطلاع على الوثائق وأخذ صور منها على أن يصدر بها قرار من وزير الإرشاد القومي” ، وفي قانون المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وتنظيم أسلوب نشرها حيث ” يضع رئيس الجمهورية بقرار منه نظاماً للمحافظة على الوثائق والمستندات الرسمية للدولة ويبين هذا النظام أسلوب نشر واستعمال الوثائق والمستندات الرسمية التي تتعلق بالسياسات العليا للدولة أو بالأمن القومي والتي لا ينص الدستور أو القانون على نشرها فور صدورها أو إقرارها” وتشمل هذه الصياغة جميع الوثائق والمستندات الرسمية بخلاف الجريدة الرسمية أو ماشابهها من وثائق غاية في العمومية كالإعلانات الحكومية والقرارات واللوائح التنظيمية التي تتطلب معرفة الجمهور بها.

كما نص قرار رئيس الجمهورية في شأن إنشاء دار الكتب والوثائق القومية ، وهو القانون الذي أنشأ الهيئة الإدارية لكلاً من دار الوثائق ودار الكتب، على دور الهيئة قي “تهيئة هذه المقتنيات لتوضع تحت تصرف العلماء والباحثين والجمهور للاطلاع عليها والانتفاع بها في مقر الدار” محيلاً قواعد الاطلاع إلى قانون انشاء دار الوثائق السابق ذكره والذي وضع سلطة تنظيم الاطلاع في يد الوزير المختص.

أثبتت الممارسات صعوبة الوصول إلى مقتنيات دار الوثائق، فلا يمكن لراغبي الاطلاع الوصول إلى الوثائق دون ترخيص والذي يقتصر توفيره على الباحثين المسجلين بالجامعات المصرية، كما تلعب الأجهزة الأمنية دوراً أساسياً في توفير الترخيص أو رفضه، حيث يطلب من الباحث ذكر موضوع بحثه، وقد يتم رفض الترخيص إذا اعترضت الأجهزة الأمنية على موضوع البحث أو شخص الباحث. كما يطلب من طالب الترخيص تحديد أياً من أقسام دار الوثائق يرغب في الترخيص لمطالعة محتوياتها، ودون وجود أدلة اطلاع متاحة للجمهور، يستحيل على العديد من الباحثين معرفة الوثائق الموجودة داخل الدار، وفي أياً من الأقسام يتم حفظها، حتي يستطيعون تحديد ذلك في طلب الترخيص.

لتحميل الورقة مدرج بها الهوامش

  access_to_national_archive_doc.pdf (692.4 KiB)

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone