الرخص المفتوحة للبيانات الحكومية

تنظم حقوق الملكية الفكرية استعمال الأعمال الإبداعية كنوع من أنواع الحماية للمبدع، فهي تضمن نسب أعماله الفكرية له، و الحفاظ على حقوقه في الأرباح المالية، فتبقى الأعمال الإبداعية محفوظة الحقوق لفترة زمنية محددة حسب تشريع كل بلد، ثم تدخل ضمن ما يسمى الملكية العامة بعد انتهاء مدة حمايتها، فتصبح في متناول استخدام الجميع. أما بالنسبة للمعلومات والإصدارات الحكومية، فهي تختلف في طبيعتها العامة عن الأعمال الإبداعية التي ينتجها أفراد أو مؤسسات خاصة، مما يلزم لها تبني صيغة أخرى من ترخيصات الإصدار تضع في إعتبارها الطبيعة العامة للمعلومات الحكومية.

مع انتشار الوسائط الإلكترونية وخدمات الإنترنت أصبح من السهل على الأفراد نشر و تداول الملفات الرقمية و المعلومات. و رغم ذلك ظلت قيود حقوق النسخ و الاستخدام قائمة؛ نتيجة القوانين البالية السابقة على العصر الرقمي . تلى ذلك ظهور ائتلاف من الفنانين والمحامين و العلماء الداعمين لفكرة الرخص المفتوحة ، وهي التي تسمح لكل كيان أن يقرر إلى أي مدى يرغب في الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية الخاصة به مع السماح للآخرين باستخدام و تداول ملكيته. أُسست منظمة المشاع الإبداعي (Creative Commons) سنة 2001 بغرض إصدار عدد من تنويعات الرخص المفتوحة و ترويجها للمؤلفين أو المُرخصين في ترخيص أعمالهم الفكرية و نجد ست خيارات مختلفة لرخص المشاع الإبداعي تجتمع في نسبها العمل الأصلي للمؤلف ؛و تختلف في كونها تتبنى عدة صلاحيات إضافية يختارها المؤلفون.

إن الرخصة المفتوحة إذا فئة من فئات رخص حفظ حقوق الملكية الفكرية، و لكنها لا تقتصر على رخص المشاع الإبداعي فقط. رأت مؤسسة المعرفة الفتوحة (OKFN) في عام ٢٠٠٩ أن رخص المشاع الإبداعي السالف ذكرها غير منطبقة على ترخيص البيانات و قواعد البيانات، حيث أن رخص المشاع الإبداعي كانت في الأساس مُصاغة لحماية الأعمال الفكرية مثل المقالات، الأغاني أو الأعمال الفنية باستخدام قوانين حقوق النشر. لذا قامت مؤسسة المعرفة المفتوحة بصياغة ثلاث رخص مفتوحة متخصصة في نشر البيانات وقواعد البيانات بصفة مفتوحة مع حماية حق المُرخص. لم تكتفي تلك الرخص بالإعتماد على قوانين حقوق النشر فقط، بل إعتمدت أيضا على قوانين العقود القانونية و حقوق قواعد البيانات و تسمى بالرخص المشاعية للبيانات المفتوحة (Open Data Commons) .

عادة تسمى رخص المشاع الإبداعي ورخص المشاع للبيانات المفتوحة بالرخص المعيارية أو النموذجية، حيث أن تلك الرخص تمت صياغتها من قبل المنظمات الداعمة للإبداع الرقمي و لحرية الرأي و التعبير لكي تسمح للجميع إعطاء الإذن العام لتبادل واستخدام الأعمال الإبداعية الخاصة بهم. أما خلاف ذلك فنجد شريحة أخرى من الرخص المفتوحة غير نموذجية، والمقصود منها رخص تتيح للناشر الإحتفاظ بحقوق الملكية الخاصة به مع السماح للآخرين باستخدام وتداول البيانات المنشورة. وتختلف الرخص غير نموذجية عن النموذجية في كونها مصاغة لناشر واحد دون غيره؛ فهى لا تتيح لأي مبدع أن ينشر تحت بنودها. عادة تكون الرخص غير نموذجية مصاغة من مؤسسات حكومية لنشر المعلومات الحكومية بطريقة مفتوحة.

تبدوا الرخص غير النموذجية متوافقة مع بعضها البعض كذلك مع الرخص النموذجية في سماح كل منهم بإعادة استخدام البيانات، إعادة التوزيع، التعديل، التغيير، والإشتقاق. إلا أنها تختلف في تفسير التعامل غير اللائق من المواد المرخصة، وبذلك قد تعرقل حرية تداول المعلومات خاصة في نطاق استخدمها عبر الحدود الدولية . من أمثلة الرخص غير نموذجية الرخصة الحكومية المفتوحة (Open Government License) البريطانية و رخصة المساحة المفتوحة (Ordnance Survey Open License) الخاصة ببيانات هيئة المساحة البريطانية، أو الرخصة المفتوحة الفرنسية Licence Ouverte4)) ، أو رخصة المعلومات الألمانية (Germany Data License) .

تصميم الرخص المفتوحة

قد يتسائل القارئ في هذه المرحلة عن طبيعة اختلاف الرخص المفتوحة -السالف ذكرها- و سبب وجود عدد كبير منها قد يربك الناشر. في الفقرة القادمة سوف نعرض منطق و تصميم رخص المشاع الإبداعي و الرخص المشاعية للبيانات المفتوحة.

تجتمع كل الرخص في نسبها العمل الأصلي للمؤلف، و هو ما يسمى بخاصية “نسب المُصنف” أو الـ(Attribution) المختصرة بــ(BY). يُعتبر تبني ذلك الشرط وحده دون غيره هو التبني للرخصة الأكثر تسامحاً من الرخص المفتوحة، حيث أنه يُتيح للآخرين الاستفادة من العمل المُرخص بكافة الطرق، و هي إعادة التوزيع، التعديل، التغيير، والإشتقاق من العمل، سواء كان ذلك لأغراض تجارية أو غير تجارية ، طالما نسبوا العمل الأصلي للمُرخص.

تختلف الرخص المفتوحة في كونها تتبنى عدة صلاحيات إضافية يختارها المؤلفون، و هذه الصلاحيات تُحد من حرية الآخرين في استخدام الأعمال. أول تلك الشروط هو ما يسمى بـ”الترخيص بالمثل” أو الـ(Share-Alike) المُختصرة بــ(SA). ينص ذلك الشرط على ترخيص أي أعمال مُشتقة من العمل المُرخص بنفس الشروط، و يُعد ذلك الشرط نوعا من تطبيق فكرة الحقوق المتروكة المعروفة بــ(CopyLeft) . الذي يضمن بقاء الأعمال المفتوحة مفتوحة في المستقبل، مع تقديم حافز للناشرين لتبنًي الرخص الحرة.
ثاني تلك الشروط هو ما يسمى بـ”منع الإشتقاق”، أو الـ(No Derivatives) المختصرة بـ(ND). ينص ذلك الشرط على عدم تعديل العمل المرخص بأي شكل.
ثالث تلك الشروط هو ما يسمى بـ”غير التجاري”، أو الـ(Non Commercial) المختصرة بــ(NC)، وهو يمنع الاستخدام التجاري أو الاستفادة المادية من العمل المرخص نفسه أو أي عمل مشتق منه.
تمتاز بعض الرخص بضمها أكثر من شرط معاً، مثلاً رخصة المشاع الإبداعي الـ(CC BY-NC-ND)، أو “نَسب المُصنَّف – غير تجاري – منع الإشتقاق”، و هي الرخصة الأكثر قيوداً، إذ تتيح فقط تحميل الآخرين للعمل المرخًص و مشاركته، دون تعديل أو استخدام مُربح بشرط نسب العمل الأصلي للمُرخص، أو الرخصة المشاعية للبيانات الـ(ODbL) التي تتيح تحميل و استخدام أي بيانات بشرط نسب البيانات لمرخصها، وترخيص الأعمال المبنية على البيانات بالمثل و عدم تبني التدابير التكنولوجية التي تحد من العمل؛ مثل وسائل إدارة الحقوق الرقمية (Digital Rights management) والتي تقوم بالحد أو المنع من القدرة على إعادة استخدام، و/أو تعديل، و/أو نشر الأعمال التي تستخدم تلك الوسائل.

توفر موسسة المشاع الإبداعي أيضا رخصة تتيح للمرخِّصين التنازل عن جميع الحقوق من أجل وهب العمل للـملكية العامة، وتسمى برخصة الــ(CC0)، بينما تتيح الرخص المشاعية للبيانات المفتوحة رخصة الـ(PDDL) التي تتيح التنازل عن جميع الحقوق من أجل وهب قاعدة البيانات كاملة للـملكية العامة.
تبنت الرخص النموذجية إضافة إلى ذلك بنية مبتكرة ملائمة لعصر الإنترنت، فكل من العشر رخص -السالف ذكرهم- تتكون من ثلاث طبقات. أول طبقة هي النص القانوني للرخصة أو الـ(Legal Text)، و هو أساس الرخصة كأداه قانونية تقليدية، و ثاني طبقة هي صياغة للرخصة بطريقة سهلة يستطيع الجميع فهمها، و هي تسمى بالنسخة سهلة القراءة أو الــ(Human Readable). أما الطبقة الأخيرة فهي النسخة المقروءة للألة أو الــ(Machine Readable) و هي نسخة برمجية من الرخص تفهمها أنظمة البرمجيات ومحركات البحث.

المنظمات غير الحكومية والرخص المفتوحة

بدأت ويكيبديا في ٢٠٠١ كموسوعة دولية حرة المصدر، حيث تم نشر كل المقالات تحت رخصة GDFL النابعة من مجال ترخيص البرجميات حرة المصدر. ولاحقاً، قامت ويكيبديا بتغيير ترخيص كل مقالاتها و الملفات الرقمية المحملة على موقعها إلى ترخيص المشاع الإبداعي “نَسب المُصنَّف – الترخيص بالمثل” . أما مشروع خريطة الشارع المفتوحة (OpenStreetMap) فبدأ في ٢٠٠٤ بغرض تجنب القيود التشريعية و التقنية التي تخص معظم الخرائط المتاحة، و تبنى لذلك رخصة المشاع الإبداعي. أجرت المؤسسة تغيير ترخيص قاعدة البيانات للخريطة كاملةً من رخصة المشاع الإبداعي إلى الرخصة المشاعية للبيانات عام ٢٠٠٩، مشيرةً إلى المشاكل و أوجه الغموض التي تخص ترخيص البيانات تحت رخص المشاع الإبداعي المختصة بالملفات.

في ذلك الحين تبنى محرك البحث جوجل خاصية البحث عن المحتوى المُرخص بالرخص المفتوحة، وكذلك موقع يوتيوب و الكثير من البرمجيات مثل برنامج مايكروسوفت أوفيس . تبنت أيضا الكثير من المنظمات الدولية الرخص المفتوحة لترخيص ملفاتها و بيانتها، مثل مؤسسة اليونسكو (UNESCO) أو البنك الدولي (World Bank)، حيث أقر الأخير في بيان الدليل الإداري الخاص به بنشر جميع المخطوطات و البيانات المصاحبة لها التي أُنتجت من قِبل موظفو البنك أو من خلال أبحاث ممولة من قِبل البنك تحت رخصة المشاع الإبداعي الأقل قيوداً “نَسب المُصنَّف”.

الرخص المفتوحة للبيانات الحكومية – تجارب دولية

في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بالحق في الحصول على المعلومات وتداولها؛ جاء الاهتمام بإتاحة المعلومات بصفة استباقية و نشر المعلومات الحكومية كبيانات مفتوحة. يقصد بالمعلومات الحكومية (Public Sector Information) المعلومات التي يتم إنتاجها بصفة مستمرة بواسطة الهيئات العامة، وتكون مرتبطة بأنشطة مثل الإحصاءات والبيانات الاقتصادية، وتصنف تلك المعلومات كبيانات مفتوحة (Open Data)عندما تتوافر فيها عدة شروط أهمها أن تكون تلك المعلومات ذات صيغة مفتوحة، أي تسمح لأي شخص كان باستخدامها، وإعادة استخدامها، ونشرها.
في الفقرة القادمة سوف نلقي نظرة على التشريعات المختصة بتقنيين إتاحة المعلومات الحكومية، و خاصة تبني الرخص المفتوحة لإزالة أي عوائق قانونية قد تعيق الاستخدام أو إعادة الاستخدام.

الإتحاد الأوروبي:

سعى الإتحاد الأوروبي إلى توفير إطار قانوني مُشترك لخلق سوق أوروبي متحد للبيانات الحكومية مبني على الشفافية و المنافسة العادلة، فقد أصدر البرلمان الأوروبي التوجيه ٩٦/٦/EC المعروف بتوجيه قواعد البيانات المختص بتنسيق معاملة قواعد البيانات تحت قوانين الملكية الفكرية لكل الدول الأعضاء، و تشريع الحقوق الفريدة لقواعد البيانات المعروف بـ(Sui Genris).

ينص التوجيه الأوروبي ٢٠٠٣/٩٨/EC، المعروف بتوجيه المعلومات الحكومية – والذي تم تحديثه ليواكب التطورات التالية منذ زمن إصداره عام ٢٠١٣ ليصبح توجيه ٢٠١٣/١٣/EC، – في مادته الثامنة على المبادىء الأساسية لترخيص المعلومات الحكومية، بالشروط التالية:

• تبنًي أي رخص مفتوحة تتيح إعادة استخدام البيانات، مع إضافة أقل قدر من الإعاقات.
• تبنًي أي رخص مفتوحة لها نسخ برمجية.
نجد إختلاف في تطبيق بلاد الإتحاد الأوروبي لذلك التوجيه، فالبعض توجه لصياغة و استخدام رخص غير نموذجية على مستوى كل مؤسسة، و البعض إلى استخدام رخص غير نموذجية على المستوى الوطني، و اخيراً البعض تبنًى الرخص النموذجية.

الولايات المتحدة:

تخلو البنية التشريعية للولايات المتحدة من أي قانون خاص بتقنيين استخدام المعلومات الحكومية أو تداول البيانات، ويرجع ذلك إلى الإختلاف الجذري في فهم ملكية المعلومات الحكومية في أساسها، حيث تنص المادة ١٠٥ لقانون الملكية الفكرية الخاص بالولايات المتحدة على أن جميع الأعمال المنتجة من قِبل الحكومة الفدرالية موهوبة للملكية العامة بشكل افتراضي. ونجد أن السياسة المعتمدة من قِبل الحكومة الحالية هي أن المعلومات و الملفات الحكومية كلها ثروة وطنية و بالتالي تمثل مصلحة عامة، فكل البيانات إما توهب للملكية العامة أو تتبنى رخصة المشاع الإبداعي الـ(CC0) الواهبة للملكية العامة.

تنص مذكرة البيانات المفتوحة الصادرة عام 2013 بأن كافة المعلومات التي تم إنتاجها أو جمعها أو معالجتها أو إتاحتها بواسطة أو لصالح الجهات العامة ملكية عامة.

البرازيل:

تنشر بوابة المعلومات المفتوحة البرازيلية كل ملفاتها و بيانتها تحت رخصة المشاع الإبداعي “نَسب المُصنَّف – الترخيص بالمثل”.

ملكية البيانات والمعلومات الحكومية في مصر

لم تحظ المعلومات الحكومية أو فكرة البيانات المفتوحة نفسها بأي إهتمام في التشريع المصري، حيث خلت البنية التشريعية من قانون خاص بتنظيم نشر أو إعادة استخدام المعلومات الحكومية أو البيانات المفتوحة. علاوة على ذلك تفتقد الحكومة المصرية لأي سياسة هادفة لتشجيع تداول المعلومات أو إعادة استخدام المعلومات الحكومية. فنجد أن سياسة الحكومة المصرية هي نشر جميع اصدارتها الورقية والرقمية حاملة لعبارة “جميع الحقوق محفوظة” المقيدة، و المقصود هنا هي الحقوق التي يكفلها القانون رقم ٨٢ لعام ٢٠٠٢ بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية.

تنص المادة ١٤٠ من ذلك القانون على أن جميع المصنفات الأدبية و الفنية تتمتع بحماية القانون، بما فيها قواعد البيانات. أما المادة ١٤١ فتنص على أن تلك الحماية لا تشمل الوثائق الرسمية و هو ما يثير التسائل عن معاملة قواعد البيانات الرسمية حسب قانون حماية الملكية الفكرية.

يفسر المشرع المصري “الملك العام” على أنه: “جمیع المصنفات المستبعدة من الحمایة بدایة، أو التي تنقضي مدة حمایة الحقوق المالیة علیها طبقاً لأحكام ھذا الكتاب.” نجد أن المادة ١٨٣ تحدد رسوم خاصة بالإستغلال التجاري للمصنفات الواقعة في الملك العام، و هو ما يتعارض مع المفهوم الدولي للملك العام. فمثلاً من حق وزير الإتصالات و المعلومات تحديد رسوم استخدام لأي قواعد بيانات واقعة في الملك العام بحسب تلك المادة.

أعتبر المشرع المصري المعلومات الحكومية و البيانات سرية و نص العقوبة لمن يفشيها، ومثال على ذلك نجد أن بيانات سجلات الأحوال المدنية تعتبر سرية.

تصدى الدستور المصري لعام 2013 وتعديلاته في 2014 إلي إقرار الحق في تداول المعلومات وملكیة الشعب للوثائق والمعلومات، فیما یلي نوضح ما أقرته الدساتیر:

دستور مادة نص المادة
٢٠١٢ ٤٧ الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق، والإفصاح عنها، وتداولها، حق تكفله الدولة لكل مواطن؛ بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة، وحقوق الآخرين، ولا يتعارض مع الأمن القومى.
وينظم القانون قواعد إيداع الوثائق العامة وحفظها، وطريقة الحصول على المعلومات، والتظلم من رفض إعطائها، وما قد يترتب على هذا الرفض من مساءلة.
التعديلات الدستورية في ٢٠١٤ ٦٨ المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً.
وتلتزم مؤسسات الدولة بإيداع الوثائق الرسمية بعد الانتهاء من فترة العمل بها بدار الوثائق القومية، وحمايتها وتأمينها من الضياع أو التلف، وترميمها ورقمنتها، بجميع الوسائل والأدوات الحديثة، وفقا للقانون.

وبذلك قطع الدستور الحالي شوطاً كبير تجاه تقنيين إعادة استخدام المعلومات الحكومية، وإضافة تعديلات مستقبلية لقانون حماية الحرية الملكية الفكرية غير مواكب للعصر الحالي. يشير دستور ٢٠١٤ إلى قانون لتنظيم إتاحة المعلومات، وهو الذي سيشرع مستقبلياً نوع الرخص التي ستنشر المعلومات الحكومية وفقاً لها.

نحو رخص مصرية مفتوحة للبيانات والمعلومات الحكومية

تظهر إذاً الحاجة الملحة لوجود تشريع قانوني ينظم ترخيص الوثائق و المعلومات الحكومية بما يتوافق مع إلزام الدستور الحالي للحكومة بتوفير وإتاحة الوثائق والمعلومات بشفافية. من المفضل أن تنص مادة من مواد ذلك القانون على تبني الرخص المفتوحة النموذجية في نشر الوثائق أو البيانات الحكومية. لابد أيضاً من إعادة رسم العلاقة بين حدود تطبيق ذلك القانون، وهو عادة ما يُعرف بقانون تداول المعلومات، وقانون الملكية الفكرية لكي يطبق على المجال العام طبقاً للمعايير الدولية.

ينبغي أيضا توفير إلزام قانوني للوزارات والهيئات العامة، و على رأسهم جهاز التعبئة العامة والإحصاء، بتبني الرخص المفتوحة في ترخيص وثائقها ومنشوراتها وبياناتها المنشورة، بالإضافة إلى خلق وعي مجتمعي تجاه فكرة فتح البيانات و إتاحة إستخدامها من الناحية القانونية؛ حيث أن الثقافة المؤسسية السائدة هي ربما أكبر تحدي في تحقيق ما نص عليه الدستور من كون المعلومات والبيانات ملك الشعب.

عرض حالة: مجموعة نقود و عملات دار الكتب و الوثائق المصریة

تعد مجموعة النقود و العملات التى تقتنیها دار الكتب و الوثائق المصریة من أكبر مجموعات العالم العربى حيث تحتوي على أكثر من ثلاثة عشر ألف قطعة، و هي من أكثر المجموعات أهمیة فى إظهار التراث و الحضارة الإنسانیة . تم إبرام بروتوكول بين دار الكتب ومركز البحوث الأمريكي (ARCE) الممول من قبل المعونة الأمريكية في مصر (USAID) خلال عام 2015 لدراسة تلك المجموعة و إعداد كتالوج رقمي عنها يشتمل على صور لكل قطعة في المجموعة مع إثبات جميع البيانات المُختصة بها، لتمكين الدارسين من الإطلاع على تلك المجموعة عبر الموقع الإلكتروني. ينبغي الإشارة هنا إلى أن التمويل اشترط أن أي بيانات يتم إنشاؤها من قبل تمويل المعونة الأمريكية يجب نشرها بصورة مفتوحة طبقا لسياسة البيانات الإنمائية للمعونة الأمريكية (ADS 579).

وفي حين تبنت دار الكتب الرخصة المشاعية للبيانات المفتوحة “نَسب المُصنَّف – الترخيص بالمثل” (ODbL) لترخيص بيانات ذلك الكتالوج، و هو ما يُعتبر ضمن المعايير الدولية. إلا أنها قامت بإضافة علامة مائية (watermark) حاملة لإسمها على جميع صور النقود و العملات في الكتالوج، بما يشكل عائقاُ تقنياً أمام إعادة الاستخدام. وفي مقدمة الكتالوج، قامت دار الكتب بالإشارة إلى أن كل من رغب في نشر أو طباعة أو تصوير أي قطعة من هذه المجموعة فعليه مراسلة الدار وطلب موافقتها؛ بما يتعارض مع مبدأ الرخصة المفتوحة المتبناه، ويعد نموذجاً لثقافة حجب المعلومات السائدة في مصر التي تتعارض وتقل كثيراً عن مناهج “الإنفتاح المعلوماتي” الحديثة.

لتحميل الورقة مدرج بها الهوامش

  open_govt_license.pdf (315.1 KiB)

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone