الطيف الترددي

يعرف الطيف الترددي بوصفه مجمل ترددات الموجات الكهرومغناطيسية التي يتم استخدامها في نقل مختلف أنواع البيانات، تشكل الموجات أحد الجوانب الأساسية في حياتنا الحديثة؛ فإذا كنت تتكلم في تليفونك المحمول، أو تدير مؤشر الراديو لتستمع إلى قناتك المفضلة خلال زحمة السير، إذا كنت تستقل وسائل النقل العامة وتقتل الوقت بتصفحك الإنترنت، أو تجلس على أريكتك تتابع قنوات التليفزيون بعد يوم عمل؛ فإنك تستخدم الموجات الكهرومغناطيسية خلال ذلك.

لم يكن البشر يعلمون بوجود الموجات الكهرومغناطيسية حتى قام عالم الرياضيات الإسكوتلندي “جيمس ماكسويل” في منتصف القرن التاسع عشر خلال عمله على دراسة الطاقة الكهربائية والمجالات المغناطيسية؛ بإستحداث معادلات رياضية تبشر بوجود شيئاً ما أسماه “موجات كهرومغناطيسية” والتي تنشأ بتلاقي القوتان الكهربائية والمغناطيسية. كان تصور كنه تلك الموجات -ولازال للبعض- صعباً، حتى استطاع عالم الفيزياء الألماني “هينيريك هرتز” إجراء أول إثبات معملي استطاع به صناعة موجات كهرومغناطيسية. لم يكن هيرتز مستبصراً للجدوى العملية لتلك الموجات التي قام بصنعها، فعندما سؤل “هرتز” من إحدى طلابه عن التطبيقات العملية الممكنة للموجات، والذي أثبت عملياً القدرة على صنعها، قال: “لاشئ، لا يوجد أي أهمية تطبيقية لها، إنها فقط إحدى تلك التجارب التي تثبت أن المايسترو “ماكسويل” كان على حق عندما قال أنه يوجد موجات كهرومغناطيسية لا يمكن أن نراها بالعين المجردة، ولكنها ها هي الآن”.

لم يكن “هرتز” موفقاً في توقعاته، فقد أصبح للموجات مستقبل شديد الإختلاف عن ما تنبأ به لها؛ فقد أحدثت الموجات شغفاً لدى رجال الصناعة لإستخدامها في مختلف جوانب الإقتصاد ، فتوالت الإستثمارات لتحسين القدرة على بثها لتستخدم أولاً في نقل رسائل التلغراف عوضاً عن الأسلاك النحاسية، ما تلقفته البحرية البريطانية لربط قطع أسطولها، ثم يتم استكشاف قدرتها على نقل الصوت، ليتم إدماج محطات بث واستقبال الموجات في البنية التحتية لنقل الإتصالات التليفونية، وسرعان ما تنشئ الموجات شكلاً جديداً للإعلام الجماهيري لم يعرف قبلاً ألا وهو الراديو، ثم القنوات التليفزيونية بعدها، و رويداً رويداً أصبحت الموجات هي عماد ما يعرف بثورة الاتصالات.

وفي سياق الحديث عن الموجات واستخداماتها، يتم استخدام مصطلح “ترددات” لوصف الموجات المختلفة، فيعتبر كلا من مصطلحي “الموجات” و”الترددات” وجهان لنفس العملة التي هي الإشارة الكهرومغناطيسية، ففي حين يتم استخدام مصطلح “موجة” لوصف الإشارة الكهرومغناطيسية في سياق التصنيفات العامة لإذاعات الراديو بناء على بثها على “موجة قصيرة أو طويلة أو متوسطة”، فإن مصطلح “تردد” يتم استخدامه عند الحديث عن الخصائص المميزة للموجات، وخصوصاً في النواحي التقنية، فنجد مثلاً مصطلح “الطيف الترددي” الذي يصف مجمل الترددات التي يمكن استخدامها في مختلف المجالات، كما يتم استخدام مصطلحي “حيز الترددات” أو “النطاق الترددي” لوصف النطاقات المختلفة للطيف الترددي والتي تحتوى داخلها على ترددات ذات استخدامات وخصائص متقاربة، ويعطي الجدول التالي مثال على تصنيف الترددات داخل النطاقات المختلفة طبقاً لإستخداماتها، يعتمد الجدول على مخطط استخدام الطيف الترددي الموضوع من قبل الجهاز القومي لتنظيم الإتصالات في مصر لعام 2008i:

النطاق أمثلة على الاستخدامات
ترددات منخفضة للغاية/منخفضةVery Low Frequencies/ Low Frequencies(VLF/LF)

3 KHz – 300 KHz

البث الإذاعي (الموجات الطويلة) – الاتصال بالراديو (محدود النطاق)

ترددات متوسطةMedium Frequencies (MF)300 KHz – 3 MHz

البث الإذاعي ( الموجات المتوسطة والقصيرة)

ترددات مرتفعةHigh Frequencies (HF)3 MHz – 30 MHz

التواصل في المجالات الصناعية والعلمية والطبية – الملاحة البحرية (في حالات الخطر)

ترددات أكثر ارتفاعاًVery High Frequencies (VHF)30 MHz – 300 MHz

البث التليفزيوني – الملاحة الجوية ( المطارات مع الطائرات) – البث الإذاعي (FM) – الملاحة البحرية (السفن مع الموانئ)

ترددات مرتفعة جداًUltra High Frequencies (UHF)300 MHz – 3 GHz

الاتصالات المغلقة عبر الراديو ( الشرطة – المطافي) – البث الإذاعي الرقمي – الاتصال الشخصي عبر الأقمار الصناعية

ترددات مرتفعة للغايةSuper High Frequencies (SHF)3 GHz – 30 GHz

الملاحة البحرية عبر الأقمار الصناعية التواصل عبر موجات المايكروويف التواصل مع الأقمار الصناعية

ترددات فائقة الارتفاعExtremely High Frequencies (EHF)30 GHz – 300 GHz

تطبيقات تقنية الانترنت فائق السرعة WIMAX – الاستخدامات الصناعية والعلمية والطبية

تنظيم استخدام الترددات

كيف يمكن تقسيم استخدام موجات ليس لها وجود مادي في ذاتها، ولاتتقيد بحدود جغرافية، ويمكن لأي شخص انتاجها إذا ما توافرت له المعدات الملائمة؟ وكيف يتم التنسيق بين الدول، بصفتها الكيانات ذات السيادة الجغرافية، لتلافي تداخل الموجات واستخداماتها؟ لم تكن تلك الأسئلة وليدة اكتشاف الموجات ، بل سبقتها عند اختراع التلغراف ومد الكابلات البرية والبحرية بين الدول، فلتوحيد الأجهزة المستخدمة ومعايير نقل الرسائل، قامت 20 دولة أوروبية بعقد المؤتمر الدولي الأول للتلغراف في باريس سنة 1865، وتم إنشاء الاتحاد الدولي للتلغراف ليكون مسئولاً عن وضع المعايير التقنية لاستخدام التكنولوجيا المكتشفة حديثاً بين الدول. صار هذا الشكل من التنسيق الدولي أساس لتنظيم الموجات، مع اكتشاف الموجات وبدء استخدامها في وسائل الاتصال، تحول الاتحاد الدولي للتلغراف إلى الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، ليضم في مطلع الألفية الثالثة 193 دولة وأكثر من 700 كيان أكاديمي وخاص، ويقع الاتحاد الدولي للاتصالات تحت مظلة الأمم المتحدة بوصفه الوكالة المتخصصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالاتii.

يقوم الاتحاد الدولي للاتصالات – ضمن مهامه المتعددة المتعلقة بتوحيد معايير الإتصالات– بتحديد الخريطة العامة للطيف الترددي: كالاستخدامات المختلفة للترددات، والخصائص الفنية للبث لتلافي تداخل الموجات، والقواعد العامة لإنشاء محطات الإرسال والإستقبال، ومعايير البث على المناطق الحدودية حيث تتلاقي السيادة الجغرافية للدول. يقوم الإتحاد الدولي للإتصالات بإرسال تلك المعايير التنظيمية إلى أجهزة تنظيم الإتصالات الوطنية في مختلف الدول، لتقوم الأخيرة بتطبيقها ضمن حدودها الجغرافية بما يراعي استخدامات الموجات بحسب المعايير الدولية التي يضعها الإتحاد. وإذ تقف مسئولية الاتحاد على ضمان إلتزام مختلف الدول بالمعايير التقنية، فإن الكيفية التي تقوم بها الدولة بتوزيع استخدام تلك الترددات داخل أراضيها يحكمها جوانب أخرى بخلاف المعايير التقنية، فبحسب النظام السياسي والإقتصادي للدولة تختلف طرق إدارة الطيف الترددي بين الانفتاح أوالتعددية، والانغلاق أوالتركز، فكما أن الترددات هي قوام عمل الشركات العاملة في الاتصالات ( بما يتقاطع مع أثر سياسات توزيع الترددات ودورها في دعم التنافسية الإقتصادية أو التركز) فإن الترددات هي أساس عمل قنوات الراديو والتليفزيون بما يتقاطع مع المدى الذي تؤثر به تلك السياسات على التمتع بالحق في حرية التعبير. ونظراً لتعدد المجالات التى يتم فيها استخدام الطيف الترددي فقد إضطلعت أكثر من هيئة دولية بتحديد معايير إدارته، فنجد أن الاتحاد الدولي للاتصالات – بوصفه وكالة الأمم المتحدة المتخصصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات- يهتم بمراعاة الشفافية وإستقلالية الهيئات المنظمة للاتصالات بما يضمن التنافسية التجارية للشركات العاملة في مجالات الاتصالات ولضمان عدم احتكارها من قبل الدولة أو من قبل أياً من الأطراف التجارية، وكذلك اهتمامه بالقدرات التنظيمية لتلك الهيئات في سبيل تعزيز قدراتها على ضمان ضبط قطاعات الإتصالات الوطنية بما يتوافق مع معايير الاتحاد. وعلى جانب آخر، تهتم كلاً من مفوضية الأمم المتحدة الخاصة بحرية الرأي والتعبير ومنظمة اليونيسكو بوضع معايير تتعلق بالبث التليفزيوني والإذاعي، نجد من ضمنها ضمان استقلالية الهيئات الوطنية لتنظيم البث عن التأثير السياسي والإقتصادي، والشفافية، وضمان تمثيل عادل لكافة قطاعات المجتمع على خريطة البث.

تختلف أنماط الولاية على الطيف الترددي بين الدول، ففي حين يعهد إلى مكتب الاتصالات في انجلترا بتنظيم الطيف الترددي ككل: بما يشمل تنظيم قطاع الاتصالات وقطاع البث، يكون النموذج الأكثر شيوعاً دولياً هو توكيل الولاية على الترددات القابلة لنقل قنوات الراديو والتليفزيون إلى هيئة مختصة بتنظيم البث نظراً لاختلاف طبيعة استخدام ترددات البث عن تلك المخصصة للاتصال، فيختص المجلس الأعلى للصوتيات والمرئيات بتنظيم الطيف الترددي لقنوات الراديو والتليفزيون في فرنسا، ويقوم بالدور نفسه المجلس الوطني للبث في بولندا، وكذلك مجلس الإعلام الإلكتروني في بلغاريا. تكون تلك الهيئات، وأشباهها في الدول الأخرى، المنظمة لتوزيع الترددات القابلة لنقل قنوات الراديو والتليفزيون بما يضمن تعدد وتنوع المنافذ الإعلامية، سواء في المحتوى المقدم عليها أو في نمط ملكيتها من قنوات عامة يتم تمويلها من المال العام، وتجارية هادفة للربح، ومجتمعية غير هادفة للربح.

وبخلاف تنظيم ملكية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، تقوم تلك الهيئات بتقييم المحتوى المقدم على مختلف القنوات لسببين، أولهما ضمان تنوع المحتوى المقدم على الترددات بما يلائم تلبية مختلف الأذواق والحاجات المجتمعية، يساهم هذا التقييم في رسم خريطة توزيع الترددات المستقبلية بتفضيل الترخيص للقنوات التي ستقوم بتقديم محتوى لا يتوافر في الخريطة الإعلامية الحالية. ويعتبر ضمان إلتزام القنوات المرخص لها بإشتراطات الترخيص مثل اشتراطات الإعلان، وضمان الحق في الرد، وعدم انتهاك الحق في الخصوصية، والتوازن في تقديم الأخبار ثاني أسباب قيام هيئات تنظيم البث بتقييم المحتوى المقدم على القنوات، وفي سبيل ضمان التزام المرخص لهم بالمعايير القانونية، تقوم هيئات تنظيم البث بتوقيع جزاءات تصحيحية وعقابية تتدرج من الإنذارات، والغرامات، والإجراءات التصحيحية المختلفة وصولاً إلى سحب ترخيص البث في حال استنفاذ جميع الجزاءات الأخرى.

تنظيم الطيف الترددي في مصر

تم استحداث كيان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر عام 2003 ليكون الهيئة القومية المختصة بتنظيم قطاع الاتصالات في جمهورية مصر العربية. يخضع الطيف الترددي في مجمله تحت ولاية الجهازiii، وإن استثنى القانون تلك الترددات المخصصة لنقل قنوات الراديو والتليفزيون ليضعها تحت ولاية اتحاد الإذاعة والتليفزيون. يعتبر هذا الاستثناء بسبب ولاية اتحاد الإذاعة والتليفزيون على الترددات المستخدمة لخدمات البث التليفزيوني والإذاعي بحسب القانون رقم 13 لسنة 1979؛ والسابقة على تشكيل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات. تجعل المادة الأولى في قانون اتحاد الإذاعة والتليفزيون الهيئة التي” تتولى شئون الإذاعة المسموعة والمرئية في جمهورية مصر العربية ” على عمومها، مما حدا بالمشرع عند استحداث كيان الجهاز القومي للاتصالات إلى أن ينوه في أكثر من موضع إلى استثناء ترددات البث من ولاية جهاز تنظيم الاتصالات لتكون الولاية عليها – بما يشمل استخدامها و اعتماد الأجهزة المستخدمة في إرسال واستقبال البث – في يد اتحاد الإذاعة والتليفزيون.

واجهت الولاية على الترددات في مصر تغيراً في التنظيم القانوني عندما تم إطلاق القمر الصناعي المصري “نايل سات” والمستخدم في البث الإذاعي والتليفزيوني. فتبعاً للقانون فاتحاد الإذاعة والتليفزيون هو المنوط به الولاية على ترددات البث، ولكون الهدف من استخدام النايل سات هو بث قنوات دولية وتجارية؛ ما يتعارض مع الصفة القومية المحلية للاتحاد؛ استدعى ذلك انشاء وضع قانوني خاص لضمان عدم تداخل الولايات على الطيف الترددي وذلك عبر تأسيس المنطقة الحرة الإعلامية التابعة لهيئة الإستثمار. فلكون المناطق الحرة تكتسب خصوصية قانونية في علاقتها بالمنظومة التشريعية للدولة، ومثال على ذلك الاستثناءات الجمركية للمناطق الحرة الإقتصادية، تم استثناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون من الولاية المباشرة على الطيف الترددي للبث داخل المنطقة الحرة الإعلامية وتوكيلها إلى هيئة الاستثمار التي تتبعها جميع المناطق الحرة، وإن حرصت القرارات المتتالية بتشكيل مجالس إدارات المنطقة الحرة الإعلامية على تمثيل الاتحاد في مجالس الإدارات المتعاقبة. كما ألزم القانون جميع الشركات العاملة بالبث والمالكة للقنوات الفضائية على اقتصار بثها من داخل المنطقة الحرة الإعلامية. لم يستثنى من ذلك إلا مجموعة قنوات دريم والتي استطاعت الحصول على موافقة الاتحاد على البث من خارج المنطقة الإعلامية في 2006، ذلك الاستثناء الذي تراجع عنه الاتحاد بعدها ليكون بداية سجال قضائي انتهى بحكم المحكمة الإدارية العليا بأحقية قنوات دريم بالبث من خارج المنطقة الحرة الإعلامية بناءً على موافقة الاتحاد السابقة.

قام الدستور المصري المعدل في 2014، في المادة رقم (211)، بوضع قاعدة دستورية يوضح مدلولها انتقال الولاية على ترددات البث إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والذي سيقوم – عند إصدار القانون المنظم لعمله – بدور المنظم المستقل لاستخدام ترددات البث،كما تستحدث المادة (213) كيان الهيئة الوطنية للإعلام بوصفها هيئة مستقلة تقوم بإدارة المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة المملوكة للدولة مما يغير من وضع اتحاد الإذاعة والتليفزيون ليقع تحت ولايتها. وإن قام قام اتحاد الإذاعة والتليفزيون في مارس 2015، ، بناءً على موافقة مجلس الوزراء ، بتأسيس شركة أسماها (شركة راديو النيل)iv بغرض الإدارة التجارية لترددات الراديو FM بغرض تعظيم إيرادات اتحاد الإذاعة والتليفزيونv.

لتحميل الورقة مدرج بها الهوامش

  freq_spect.pdf (371.8 KiB)

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone