الميزانيات المفتوحة

تعد الميزانية العامة الوثيقة المالية الأهم فى علاقة المواطنين بالسلطة التنفيذية للدولة، وفي ظل تصاعد الاهتمام العالمي بالحق في الحصول على المعلومات وتداولها واعتباره حق أصيل للمواطنين في علاقتهم بالسلطة التنفيذية، جاءت الدعوة من أجل انفتاح الميزانيات العامة والذي يعرف بكونه عملية جعل الموازنة العامة قابلة لإشراك مختلف قطاعات المجتمع في جميع مراحل وضعها، وإقراراها، وتطبيقها، ومراجعة تطبيقها، وتعديلها، وإقرار حسابها الختامي.
يتم استخدام مصطلح “الميزانيات المفتوحة” للتعبير عن تطبيق الموازنة العامة لأعلى درجات الشفافية وإشراك المواطنين في كافة درجات إعدادها، كما يعبر عن قدرة الدول على تطوير أنظمتها المالية لتنفيذ ما سبق، وعلى استعداد الحكومات لإتاحة أكبر قدر من المعلومات حول السياسة المالية، والإفصاح الأوسع عن كامل بيانات العوائد والإنفاق.

ما هي الميزانية؟

الميزانية الوطنية هي وثيقة مالية، محاسبية، قانونية، تضعها السلطة التنفيذية، ويتم الموافقة عليها من قبل السلطة التشريعية. وتمثل الميزانية العامة خطة الحكومة لعام مالي، وتعمل من خلالها الحكومة على زيادة الإيرادات وتكبد النفقات والديون من أجل تحقيق أهداف معينة. وبالتالي فهي تعبر عن التوجه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للحكومة. فالكيفية التي تتم بها عملية تخصيص الموارد للمؤسسات لمختلف الأغراض هي في جوهرها عملية سياسية، فتوجهات السلطة الحاكمة تؤثر على التوزيع اللاحق للموارد العامة، وتعكس الاولويات المختلفة للسلطة التنفيذية. 1
تعد السلطة التنفذية هي المسئولة عن صياغة الميزانيات وتنفيذها، وتتمتع السلطة التشريعية (البرلمان) بالحق في الموافقة على أو رفض مشروع الميزانية، والتقييم، وإعداد التقارير. ولوزارة المالية سلطة التنسيق، فلديها المسؤولية الشاملة لإدارة الإنفاق العام، وإدارة الموارد النقدية للحكومة بالإشتراك مع البنك المركزي في كثير من الحالات. ويعتبر دور وزارة المالية بمثابة نقطة الانطلاق في دورة الميزانية، فهي من تقوم بتحديد الموارد المتاحة للنفقات العامة؛ و ينطوي هذا على الموازنة وهي تقييم شامل للوضع الاقتصادي الكلي، ويستلزم وضع التوقعات بشأن معدلات النمو، وتوجهات الإيرادات، وتقييم الإنفاق التقديري الذي سوف يتعين الوفاء به مثل خدمة الديون والالتزامات التقاعدية. والمرحلة التالية التي تقوم بها الوزارة هي إصدار ورقة المبادئ التوجيهية للميزانية، ووضع الأسس التي يتعين على الإدارات الإنفاق وفقا لها، وتحديد العطاءات المقدمة للإدارات لسنة مالية قادمة. ويكون الفاعل الرابع في دورة الميزانية هو الإدارات”الوزارات” التي تقوم بعمليات تنفيذ الميزانية وفقا لقطاعتها المختلفة 2.

جاء الأهتمام بالميزانية في العصر الحديث متمثلاً في كفاءة نتائجها المحققة، وزيادة الإنفتاح، والشفافية، والمساءلة، وطبق كُتيب البنك الدولي عام 1998، نظرة أوسع لعملية إعداد الميزانية، مشدداً على أهمية فهم الروابط بين السياسات والتخطيط، ووضع نظام فعال قائم على ثلاث مستويات وهم: مستوى “نتائج الميزانية” ويعنى بها قدرة الميزانية على تحقيق أهدافها، ومستوى “تخصيص الموارد وفقاً للأولويات” بمعنى قدرة الميزانية على الوفاء بالاحتياجات العامة طبقاً لأولوياتها ، ومستوى”الاستخدام الكفء والفعال للموارد” في تنفيذ الأولويات الاستراتيجية. كما ظهر دليل وزارة التنمية الدولية البريطانية في 2001 ، واهتم بتوضيح كيفية استخدام المستويات السابقة في إصلاح نظام الإنفاق ككل. كما قدم مشروع الموازنة الدولي في 2001 دليل لعمل ميزانيات المنظمات غير الحكومية. 3

فلكي تكون الميزانية أداة فعالة للمساءلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ يجب أن تكون شاملة وموحدة في معاملتها للنفقات العامة. وهذا يعني أن تشمل الميزانية جميع إيرادات الدولة والنفقات، بما في ذلك تدفقات المانحين والمساعدات، كما ينبغي ربط عملية إعداد الميزانية بعمليات التخطيط للأهداف الكلية، وأن يتم توفير القنوات الرسمية للمشاركة المفتوحة في عملية إعدادها والمراقبة عليها، و يجب أن تكون كل هذه العمليات تحت الإشراف الفعال.

الشفافية المالية كأساس الميزانيات المفتوحة

عرف “كوبتس وكريج “”Kopits and Craig” في 1998 الشفافية المالية بأنها “عملية توفير معلومات موثوقة عن بنية الحكومة ووظائف هياكلها المختلفة، وذلك لمعرفة كيفية توزيع الأدوار والمسئوليات، والنوايا والتوقعات الخاصة بسياسات الحكومة، والعمل على توفير بيانات دقيقة وموثوقة عن العمليات التي تقوم بها الحكومة، عن طريق نشر وثائق شاملة للميزانية تحتوي على معلومات عن الحكومة عامةً، وعن الأنشطة شبه المالية، وعن الأطر المؤسسية التي تعبر عن “صراع المصالح” بين المنتخبين والمعينين، والعمل على ضمان حرية المعلومات، ووضع إطار تنظيمي شفاف لممارسات الحكومة، والمشتريات العامة، وعمليات التوظيف، ووضع مدونة سلوك لموظفي الضرائب، ومراجعة الأداء” 4.
كما جاء تعريف منظمة التعاون الاقتصادي للشفافية المالية أكثر تحديداً ليشمل الانفتاح حول السياسات المتوقعة، وطرق صياغتها، وعمليات تنفيذها، وبالتالي تتضمن الشفافية المالية عدد من التقارير: التقارير المطلوبة في الميزانية ومحتواها بشكل إجمالي، وإفصاحات محددة ومفصلة عما ورد في التقارير العامة، وتحديد الممارسات المطلوبة لضمان سلامة وجودة المعلومات المتضمنة في التقارير. وباختصار، تركز المنظمة على المعلومات التي يجب أن تكون متاحة للجمهور، وعلى توقيتات الإتاحة، ومعايير الجودة. وبالتالي، فالشفافية تعني الإفصاح عن موقف الحكومة المالي، وعن الأصول، والتدفقات المالية، و الإيرادات، والنفقات، سواءاً في الميزانية أو في الحساب الختامي 5.
جاء الاهتمام بقطاع الميزانية، والدعوة من أجل شفافية الميزانيات وانفتاحها، نتيجة عدد من العوامل الداخلية، سواء بسبب تغير سياسات الحكومات، أو بسبب الضغط من قبل البرلمان، أو المجتمع المدني. كما تشكل العلاقات الدولية جانباً في الدفع نحو انفتاح الميزانيات العامة، فكثيراً ما تتطلب الإتفاقيات، والمنح، والقروض الدولية قدراً من شفافية الميزانية العامة، وهناك اتجاه معاصر في مساعدة الدول على تبني الميزانيات المفتوحة، وذلك في إطار عدة مبادرات دولية، وسعي الجهات المانحة، لتقديم مساعدات طويلة الأجل ومن اجل بناء قدرات وطنية قادرة على عمل ميزانيات مفتوحة بشكل مستدام. 6

تؤثر ميزانية الحكومة بشكل مباشر وغير مباشر في حياة كل فرد من المواطنين، ولها تأثير على جماعات بعينها مثل سكان الريف، والفقراء، والأقليات، والمهمشين، فرفاهية هؤلاء الأفراد تتوقف إلى حد كبير على القرارات الحكومية. وحتى بعد تخصيص الأموال لبرامج محددة سواء بالنسبة للأقليات، أو الأطفال، أو ذوي الاحتياجات الخاصة، وبالتالي فسوء إدارة الإنفاق يؤدي إلى عدم وصول المخصصات للقطاعات المستهدفة .وعليه يجب إشراك منظمات المجتمع المدني والمواطنين في جميع مراحل دورة الميزانية.

كما تعبر درجة الشفافية المالية عن مؤشر المصداقية المالية للدولة وكفاءة أداءها، فهناك علاقة طردية إيجابية بين درجة الشفافية المالية وتدابير الاستدامة المالية مثل التحكم في العجز الحكومي والديون، وتحسين أداء الاستثمار، وجودة التصنيف الائتماني السيادي، كما يوجد علاقة إيجابية بين درجة الشفافية وتصورات السوق المالية والملاءة المالية (مقايضة الائتمان الافتراضي وفقاً للتصنيفات الائتمانية، والديون السيادية، والاستثمار في الأسهم الأجنبية)7 وتعمل الشفافية على تقليل مخاطر استخدام الحيل المحاسبية لإخفاء العجز والديون، وتحسن الكفاءة في النفقات العامة، وتعزز حق امواطنين في معرفة جودة السياسة المالية، وتوفر آليات المشاركة والمساءلة للجمهور للحفاظ على سير الميزانيات على المسار الصحيح.

مثال على ذلك ما حدث في الهند حيث قامت الحملة الوطنية لحقوق الإنسان في الهند “الداليت” (NCDHR) بالتقصي عن تحويل تحويل الحكومة للأموال الخاصة بتطوير مجتمعات الداليت (وهي واحدة من أكثر المجموعات فقرا وتهميشا في الهند ) لتمويل دورة ألعاب الكومنولث في 2010، واستناداً على تقارير الميزانية وتحليلها، أطلقت حملة عامة للدعوة لاسترداد الأموال، وتم تغطية هذه الأحداث على نطاق واسع من قبل وسائل الإعلام الوطنية والدولية، وتحت هذا الضغط اعترف وزير الداخلية الهندي علناَ بأن 140 مليون دولار أمريكي من الأموال العامة “للداليت” تم تحويلها بطريقة خاطئة للحكومة وأن الحكومة ملتزمة بإعادة الأموال.8
الجهود المبذولة من أجل تطبيق “الميزانيات المفتوحة”
يعتبر البنك الدولي من أوائل المؤسسات المالية التي أبدت اهتمام بالميزانيات، وقد أصدر كُتيب خاص بإدارة الإنفاق العام في 1998، والذي عرض لسياسة متكاملة في طرق إدارة الإنفاق العام بداية من التخطيط وإدارة الموارد، وحتى التنفيذ والتقييم وذلك من خلال المراحل التالية: مراجعة السياسات، وضع السياسات والتخطيط، تعبئة الموارد، التنفيذ، رصد عمليات التنفيذ والمحاسبة، وأخيراً التقييم والمراجعة. كما دعم البنك الدولي المبادرة العالمية من أجل الشفافية المالية التي اهتمت بوضع تعريفات مؤسسية لشفافية الميزانيات.9اهتم صندوق النقد الدولي بمفهوم الميزانيات المفتوحة، حيث قام بوضع معيار ونموذج للممارسات الجيدة فيما يخص الشفافية المالية في 1998، وأسس لمسح يقوم بعمل تقارير تراقب مدى الامتثال لهذه المعايير عن طريق مؤشرات محددة (ROSC) في 1999. ولدى منظمة “الشراكة الدولية حول الميزانية” مسح يعرف بمؤشر الميزانيات المفتوحة ( OBI) منذ 2006.
يمتاز مسحا ((ROSC و((OBI بتغطيتهما لأكبر عدد ممكن من الدول، وتمتاز المعايير والقواعد المدرجة بهما بسهولة تطبيقها على مختلف الأنظمة المالية، فبالنسبة لمسح (ROSC) قام صندوق النقد الدولي في نهاية التسعينيات بالعديد من المبادرات لتحسين شفافية التقارير والبيانات المتعلقة بسياسات الاقتصاد الكلي، وكان أحد أهم هذه التدابير إدخال نظام ((ROSC ليطبق على اثني عشر منطقة جغرافية. يتكون مسح (ROSC)من بعض المعايير والقوانين المعترف بها دولياً مثل الرقابة المصرفية، ونشر البيانات، وشفافية السياسة المالية والنقدية. وينقسم المسح إلى أربعة أقسام رئيسية: مدى وضوح الأدوار والمسؤوليات وتوفرها للجمهور، ومدى الإفصاح عن عمليات إعداد الميزانية، وكفاءة عمليات التنفيذ، وإعداد التقارير التي تضمن نزاهة هذه العمليات. طُبق هذا النظام على 93 دولة في الفترة من 1998 إلي 2010. وفي 2005 تم تحويل المعلومات التي تستنتج من مسح ROSC إلي مؤشر رقمي يأخذ القيم بين 0 و 10010، وله ثلاثة عناصر رئيسية هي:
1- معلومات عامة: تضمن توافر تقديرات مستقبلية لمدة عاميين عن النفقات الضريبية، والاحتياجات المتوقعة، والأنشطة شبه المالية في القطاعات المالية وغير المالية، والديون، على أن يتم إدراج كل هذا في وثائق الميزانية، مع تحرير البيانات المالية في الوقت المناسب بحيث تشمل كافة التفاصيل. 11
2- عمليات الميزانية: يقيس هذا العنصر مراحل الميزانية من إعداد وتنفيذ وعمل التقارير النهائية، حيث تنطوي عمليات إعداد الميزانية على توضيح إطار الاقتصاد الكلي على المدى المتوسط، وبالتالي السياسات المالية المتبعة، وتوضيح تكاليف السياسات الجديدة، أو تبين أهداف السياسات على المدى المتوسط ​​والمخاطر المالية. كما تكشف الكيفية التي يتم بها تنفيذ الميزانية عن ما إذا كانت الميزانية موحدة ومتسقة مع المعايير، وإذا ما كان هناك نظام محاسبي شامل ومتكامل يسمح بالتقييم وعن مدى تغطية وثائق الميزانية لكافة المعاملات. كما تتضمن التقارير النهائية كافة العمليات السابقة مع وجود تفسيرات للانحرافات الوارد حدوثها، بحيث تخضع كل هذه المراحل للنشر النصف سنوي، ويتم عرضها على السلطة التشريعية. 12
3- ضمان النزاهة: يقيس هذا العنصر استقلال وسلامة عمليات المراجعة من قبل هيئات ومؤسسات من خارج المنظومة المناط بها أعداد النقطتين السابقتين، وإذا ما كان هناك تقييم مستقل لتوقعات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية، ومدى استناد إسقاطات الميزانية على افتراضات واقعية تعكس الإيرادات والنفقات. وبالتالي يقيس هذا العنصر الضوابط والتوازنات الداخلية للمؤسسات المالية. 13
تجرى منظمة “الشراكة الدولية حول الميزانية” مسح (OBI) نصف سنوي يقيس مدى إتاحة وثائق الميزانية الأساسية التي تتعلق بصياغة الميزانية، وعمليات تنفيذ الميزانية، والتدقيق في الموازنة. يقيس هذا المسح القوة التشريعية والمؤسسية في عملية مراجعة الحسابات. وتم تطوير ثلاثة نسخ من هذه الاستطلاعات خلال الأعوام 2006، 2008، و 2010. جميع مؤشرات المسح تأخذ القيم بين 0 و 100. يستند المسح الرئيسي على 125 سؤال يغطي 8 وثائق تعبر عن الميزانية العامة وهي: بيان ما قبل الميزانية (3 أسئلة)، ومقترح الميزانية (58 سؤال)، والميزانية المعتمدة (سؤال)، وموازنة المواطن (4أسئلة)، والتقارير التي تصدر خلال العام (8 أسئلة)، وتقارير نصف سنوية (4 أسئلة)، وتقارير نهاية العام (10 أسئلة)، وتقارير الرقابة والمراجعة (7 أسئلة)، وقياس مشاركة الجمهور في الموازنة العامة(12 سؤال)، وقياس مدي قوة السلطة التشريعية (11 سؤال)، وقياس قوة مؤسسات التدقيق (4 أسئلة). وفي عام 2012، تم إدخال مؤشر جديد يتعلق ب”مشاركة الجمهور” بحيث يقيم ستة مبادئ تقيس مشاركة الجمهور في جميع مراحل إعداد الميزانية العامة، وميزانيات وحدات الحكومة المختلفة، ومدى وجود أساس قانوني يحمي هذه المشاركة ويضمنها.14
يوجد مسوحات أخرى تهتم بشفافية الميزانية العامة مثل برنامج المساءلة المالية والإنفاق العام “The Public Expenditure and Financial Accountability Program” وهو مشروع تأسس في 2001 ويقيم حالة الإنفاق العام في الدول، ونظم المشتريات العامة، والمساءلة المالية، ومدى وجود تسلسل لعمليات الإصلاح وبناء القدرات، وتقييم نتائج عملية الإفصاح عن التقارير الخاصة بالمشتريات العامة15. كما يقيم مؤشر النزاهة العالمية “global integrity index”، آليات مكافحة الفساد والحكم الرشيد في الدول.16
اهتمت عدة مبادرات بدعم الميزانيات المفتوحة مثل المبادرة العالمية للشفافية المالية ((GIFT والتي تشرك أصحاب المصلحة المختلفين من أجل إضفاء الطابع المؤسسي لقواعد ومعايير الشفافية، وإدخال تحسينات مستمرة على الشفافية المالية، والمشاركة، والمساءلة في مختلف بلدان العالم. تضم هذه المبادرة المدافعين عن شفافية الميزانيات جنباً إلى جانب الحكومات(تضم وزارة التخطيط والميزانية والإدارة البرازيلية، ووزارة الميزانية والإدارة الفلبينية)، والجهات المانحة، والمؤسسات المالية الدولية(البنك الدولي، وصندوق النقد)، والجمعيات المهنية، ومراجعي الحسابات الحكومية والتشريعية، ومنظمات المجتمع المدني.17 كما أطلقت في 20 سبتمبر عام 2011 مبادرة شراكة الحكومات المفتوحة “open government partnership”عندما أقرت الحكومات المؤسسة وهي 8 دول(البرازيل، وإندونيسيا، والمكسيك، والنرويج، والفلبين، وجنوب أفريقيا، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) إعلان خطط عمل الحكومات، وأنضمت لاحقاً 49 دولة. وتهدف المبادرة إلى تأمين التزام الحكومات بتعزيز الشفافية، وتمكين المواطنين، ومحاربة الفساد، وتسخير التكنولوجيات الجديدة لتعزيز الحوكمة.18

الشفافية المالية في مصر

يقسم تقرير نتائج مسح (OBI) لمنظمة “الشراكة الدولية حول الميزانية” البلدان إلى 5 فئات: الفئة الأولى وهي الدول التي توفر معلومات شاملة وتحصل على درجات من 81 إلى 100، والفئة الثانية وهي الدول التي توفر معلومات ذات مغزى وتحصل على درجات من 61 إلى80، والفئة الثالثة وهي الدول التي توفر بعض المعلومات وتحصل على درجات من 41 إلى 60، والفئة الرابعة وهي الدول التي توفر الحد الادني من المعلومات وتحصل على درجات من 40 إلى 21، والفئة الاخيرة وهي الدول التي توفر معلومات ضئيلة وتحصل على درجات من 20 إلى صفر.
تأتي الدول التي تحصل على 60 درجة فيما أعلى كدول لديها تقدم كبير فيما يخص شمولية وثائق الميزانية، وهي الدول التي تُشجع على المزيد من مشاركة المواطنين في عمليات الميزانية، وتتأكد من أن الأجهزة الرقابية والتشريعية تملك الموارد اللازمة لتنفيذ وظيفة الرقابة على نحو فعال. والتي تقدم آليات المشاركة على أسس مبتكرة خلال المراحل المختلفة لإعداد الميزانية، وتقوم بنشر كل الوثائق التي لها علاقة بالميزانية عبر الإنترنت في شكل مقروء آليا مثل جداول البيانات “إكسل” وهذا لتسهيل التحليل. ويشير هذا إلى وجود جهود منسقة من جانب جميع أصحاب المصلحة لتوفير البيئة المناسبة لتوليد الإصلاحات اللازمة، وتعمل على تحسين التعاون مع المجتمع المدني والوكالات المانحة، وتعزز من دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في توفير المزيد من الشفافية والمساءلة والتفاعل. أما الدول التي تحصل على درجات أقل من 60 فهي الدول التي توفر فقط الحد الأدني من المعلومات فيما يتعلق بمقترح السلطة التنفيذية، والميزانية المقرة، وتقارير مراجعة الحسابات، وميزانية المواطن، وتنشر هذه الوثائق بصورة منتظمة ودورية. 19
حصلت مصر في مؤشر الموازنة المفتوحة لعام 2006 على 18 درجة، أما في مسح عام 2008 فقد حصلت على 43 درجة، كما أرتفع مؤشر الموازنة المفتوحة لمسح عام 2010 ليصل إلى 49 درجة، وكان أهم عوامل هذا التقدم هو إصدار مصر لموازنة المواطن عام 2010 ونشرها للجمهور لتصبح أول دولة فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقدم على تلك الخطوة،كما بدأت مصر أيضا في نشر “المشروع التنفيذي للموازنة”، وقامت بنشر تقارير أكثر تفصيلاً خلال العام المالي قدمت فيها نبذة سريعة عن تطور الميزانية، وقامت بنشر تقرير نهاية العام الذى يقارن التنفيذ الفعلي بالميزانية المعتمدة. وقد ساعدت كل تلك الخطوات الإيجابية على تسجيل مصر لمستويات أعلى في المسح. وعلى الرغم مما حققته مصر من تقدم في شفافية الميزانية من عام 2006 إلى 2010، والذي ساعد مصر على تحسين سجلها في هذا الصدد، إلا أنه لم يخرج بها من خانة الدول التي تقدم “بعض المعلومات”. ثم جائت سنة 2012 ليتراجع أداء شفافية الميزانية لتحصل مصر على 13 درجة على سلّم الشفافية، حيث لم يتم نشر العديد من وثائق الميزانية، فقد نشر المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال عام 2011 الموازنة العامة دون استشارة أية جهة أخرى( في ظل عدم وجود سلطات أخرى في البلاد). ووفقاً للمسح، فإن الحكومة المصرية توفر “معلومات ضئيلة” عن موازنة الحكومة وأنشطتها المالية خلال السنة، “مما يجعل من الصعب على المواطنين مساءلة الحكومة عن كيفية إدارتها للمال العام”. في حين أنه في نفس العام، حصلت الأردن على 57 درجة لتصبح أعلى الدول شفافيةً في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط ،كما حصلت جنوب أفريقيا على مجموع 90 لتحتل المرتبة الثانية بعد نيوزيلندا في هذا المسح.
قام المسح بتقييم الوثائق الثمانية التي يجب على الحكومات توفيرها، وبتحليل الدرجات التي حصلت عليها مصر في عام 2012 كانت النتائج أنه: لم يتم إعداد بيان ما قبل الموازنة وهو البيان الذي يوضح المعلومات التي تربط السياسات الحكومية بالموازنة، ويوضح الموضوعات العامة للموازنة المقترحة، والذي يجب أن يعرض على المجلس التشريعي. وفيما يخص مشروع موازنة السلطة التنفيذية وهو أهم مستند لسياسة الحكومة والذي يوضح الكيفية التي تعتزم الحكومة القيام بها لجمع الإيرادات من الضرائب والموارد الأخرى، والجهات التي سوف تخصيص لها هذه الأموال وأولوياتها، ووضع أهداف هذه السياسة للتنفيذ، فقد تم إعداده هذا المشروع للاستعمال الداخلي فقط. في حين تم نشر الموازنة الفعلية وهي الأداة القانونية التي تعطي للمسئولين التنفيذيين سلطة زيادة الإيرادات والإنفاق وتحمل الديون.أما موازنة المواطنين وهو العرض الغير تقني الذي يمكن القاعدة العريضة من المواطنين من فهم خطط الحكومة لزيادة الإيرادات وصرف المال العام من أجل تحقيق أهداف السياسية فلم يتم نشره في 2012 وإن نُشر في 2013 و2014. كما تم نشر تقارير خلال السنة والتي توجز سير الموازنة المقرة، بما يسهل إدخال تعديلات على الموازنة، وعلى الرغم من أنه لم يتم إعداد تقارير المراجعة النصف سنوية التي تستعرض سير الموازنة في منتصف السنة المالية ، والتي تناقش أي تغييرات قد تطرأ على الافتراضات الاقتصادية وتؤثر على سياسات الموازنة المعتمدة . فلقد تم نشر تقرير نهاية السنة الذي يقارن في نهاية السنة بين التنفيذ الفعلي للموازنة والموازنة المسنونة. أما بالنسبة للتقرير الخاص بمراقبة الحسابات، وهو تقييم للحسابات الحكومية والذي يجريه الجهاز الأعلى للرقابة، ويفيد عما إذا كانت الحكومة قد قامت بجمع الإيرادات وإنفاق الدخل الوطني وفقاً للموازنة المعتمدة، و ما إذا كان التحكم في الدفاتر الحكومية يتسم بالاتزان والدقة، ويقدم التقرير صورة موثقة عن الوضع المالي، فقد تم إعداده للاستعمال الداخلي فقط 20

التوصيات

إن إعتماد نظام الميزانيات المفتوحة، يحقق مشاركة المواطنين في العملية الديمقراطية، بالإضافة إلى فائدته المباشرة في مواجهة الفساد، وتحسن من الأداء المالي للدولة. لذلك نوصي بالتالي:

توفير مزيد من الانفتاح والشفافية، وآليات مراقبة الميزانية.
إشراك المواطنين والمجتمع المدني في جميع مراحل الميزانية، والتنسيق مع الجهات الدستورية القائمة بالفعل.
العمل على خلق واستدامة القدرات اللازمة من أجل التعامل مع الميزانية المفتوحة.
توفير نظام معلوماتي عن الإدارة المالية، وعن استراتيجية الحكومة في توزيع الموارد، وأن تتم عملية اللإفصاح عبر إطار محدد ومحدث بشكل دوري ومنتظم.
توفير مواقع تفاعلية يمكن من خلالها التوصل للمعلومات المتعلقة بالميزانية، بحيث تستخدم هذه المواقع الخرائط والجداول والرسوم البيانية، وتوفر للمواطنين إمكانية التحكم في الموقع من خلال تفضيلاتهم، وتمثل هذه المواقع قنوات يمكن للمواطنين المشاركة في عمليات اتخاذ القرار أو القيام بالتغذية المرتجعة عبرها.
اللجوء إلى الوسائل التكنولوجية الحديثة التي تقوم بتحليل البيانات من أجل توفير معلومات كاملة ومفصلة، ينتج عنها القدرة على إعادة استخدامها، و توفير تطبيقات للأفراد تتيح لهم رؤية شاملة للوضع الإقتصادي وانخراط كامل في العملية المالية.

لتحميل الورقة مدرج بها الهوامش

  OpenBudget.pdf (209.8 KiB)

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone