توصيات بشأن حرية الإعلام وتداول المعلومات في التعديلات الدستورية

إن الدستور في أى دولة من الدول ليس نصاً مجرداً عن السياق الاجتماعى والتاريخى الذى ظهر فيه، إنما يتأثر بالنظام السياسى بمعناه العام، بحيث تدور أحكامه مع هذا النظام وجوداً وعدماً. فهو نتاج وقائع تاريخية، وهو –أيضا- تجسيد لهذه الوقائع، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وتسعى هذه الورقة إلى المساهمة في محاولة تلافي المشكلات التى فشلت النصوص الدستورية السابقة فى مواجهتها. تتناول هذه الورقة مشكلات صياغات  النصوص الدستورية التي تمت حتى الآن، وتحرم الجمهور من حقه في مساءلة السلطات المختلفة، وحقه في التعبير باستقلالية. وهي المواد المتعلقة بحرية الجمهور ووسائل الإعلام على الوصول للمعلومات، وبالتالي حرمان الجمهور من القدرة على مساءلة المسئولين العموميين على أدائهم. والمشاركة في تحديد خياراتهم المستقبلية. كما تقدم الورقة مقترحات بشأن الحدود الواجب توافرها في التعديلات الدستورية لحماية حق المواطنين في المعرفة.

أولاً: الحق في الوصول للمعلومات

يتماس ضمان حق الوصول للمعلومات مع حرية الإعلام، والحق في التعبير بصورة مباشرة، كما يعد دعامة أساسية ليس فقط لتمكين الجمهور من مساءلة السلطات المختلفة بشأن كفاءة أدائها، ولكن للتأكيد على شفافية عمل السلطات المختلفة.

وبداية من دستور 1971 الذي لم يخصص نصاً خاصاً لحرية تداول المعلومات كحق مستقل بذاته ولكنه اكتفى بوضع نص يكفل حرية الرأي والتعبير (مادة 47)، ونص آخر يكفل للصحفيين الحق في الحصول على الأنباء والمعلومات (مادة210)،  غير أن تلك المادة الأخيرة اشترطت على الصحفيين ممارسة ذلك الحق طبقاً للأوضاع التي يحددها القانون، وبالتالي قصر دستور 1971 حق الحصول على المعلومات للصحفيين فقط وليس عموم الأفراد، كما أعطى المشرع الحق في تنظيم استخدام ذلك الحق والذى استغله المشرع بدوره ليقيد من نطاق ممارسة ذلك الحق وهو الواضح في الإستثناءات المطاطية المدرجة في الدستور مثل النص على حماية حرمة الحياة الخاصة  والمعلومات المتعلقة بها (مادة 45).

أما بالنسبة لدستور 2012، أول دستور بعد ثورة 25 يناير 2011، فلم يتغيّر الأمر كثيراً، فنجد المادة 47 تنص على الآتي: “الحق في الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق حق تكفله الدولة لكل مواطن بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة وحقوق الآخرين ولا يتعارض مع الأمن القومي” بالإضافة إلى نصها على تنظيم القانون لقواعد إيداع الوثائق العامة وطريقة الحصول على المعلومات دون وضع معايير وحدود أدنى تحول دون تغوّل المشرع في إصداره لقوانين تقوم فلسفتها على الحجب وليس الإتاحة.

وقد اقترحت لجنة الخبراء (المعروفة إعلامياً بلجنة العشرة) تعديل المادة الخاصة بحرية تداول المعلومات (مادة 50) ، لتصبح كما يلي:

“الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة ،وتداولها بشفافية حق تكفله الدولة لكل مواطن، بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة، وحقوق الآخرين، ولا يتعارض مع الأمن القومي. وينظم القانون قواعد إيداع الوثائق العامة، وحفظها، وطرق الحصول على المعلومات.”

وتم حذف عبارة ” التظلم من رفض إعطاءها وما قد يترتب على هذا الرفض من مساءلة” من دستور 2012.

وبهذا فإن فإن التعديلات المقترحة، تغلق الباب أمام قيام هيئات مستقلة بالإشراف على الهيئات العامة لضمان إمتثالها وتنفيذها للمعايير الأساسية للإفصاح عن المعلومات.

كما أنه بالأساس ، أعطت المادة الحق لهيئات ومؤسسات عامة في إتاحة وحجب ما تشاء من معلومات،كما قصرت الحق على طلب المعلومات والحصول عليها على المواطنين.

وينبغي أن يكفل نظام الإستثناءات حماية المصالح المشروعة للسرية دون تقييد حق الأفراد في الحصول على المعلومات عن طريق خضوع الإستثناءات لإختبار الضرورة، بمعني آخر أن تتم المفاضلة بين خدمة المصلحة العامة وبين الضرر الذي يمكن أن يسببه إتاحة تلك المعلومات بحيث إذا ما كان الكشف عن المعلومات يفوق في خدمته للمصلحة العامة على الضرر الذي يمكن أن يسببه، يتوجب إتاحة تلك المعلومات.

(المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وأن تكون تلك القيود مبررة على أساس اختبارات الضرر والمصلحة العامة).

إن المتوقّع من التعديلات الدستورية على دستور 2012، أن تتدارك أوجه القصور والضعف الذي شاب مواد هذا الدستور، وأن تعتمد بالأساس على المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان في صيانة وضمان حقوق وحريات الأفراد على كافّة الأوجه وفي مختلف المجالات، وتحديداً فيما يخص حريات التعبير وتداول المعلومات، بصفتها الباب والمدخل الأساسي لتمكين وتفعيل بقية الحقوق والحريات. ويمكن أن نبدأ بتبيان أوجه القصور والضعف في التعديلات التي تم اقتراحها من قبل اللجنة حتى تاريخ نشر هذه الورقة، ثم نقدم توصياتنا وما نتمنى أن تتبناه لجنة الخمسين في عملها  على نسخة الدستور المصري التي ستعرض للإستفتاء.

أوجه القصور والضعف في التعديلات المقترحة حالياً على حرية تداول المعلومات:

  • اعترف النص الدستوري بالحق في الوصول للمعلومات، لكنه قصر حق ممارسته على “المواطن” فقط وليس على كل وأي شخص متجاهلاً كونه حق إنساني لأي شخص،كما يعني ذلك ضرورة أن يكون الشخص طالب المعلومة مواطن كامل الأهلية حاصل على الجنسية المصرية ولديه إثبات شخصية يجب أن يقدمه للجهة العامة عند قيامه بطلب المعلومة، مما يفتح الباب أمام تلك الجهات للقيام بتتبع بيانات الشخص وإنتهاك خصوصيته، وبالتالي قد يحجم الأفراد عن طلب المعلومات، كذلك يقوم ذلك النص باستبعاد غير المواطنين وغير المقيميين والأجانب والشركات من الحق في تقدم طلبات للمعلومات.
  • لم ينص الدستور على نطاق تطبيق قانون حرية تداول المعلومات بحيث ينبغي أن يشمل ذلك النطاق كل المعلومات التي تحتفظ بها الهيئات العامة ويقصد بذلك كل الجهات الحكومية وكذلك المعلومات عن الخدمات العامة التي تنفذها هيئات خاصة (مثل شبكات الإتصالات والكهرباء والمياه).
  • الإستثناءات: القيود الثلاثة التي نصت عليها المادة (حرمة الحياة الخاصة، حقوق الآخرين، الأمن القومي) تنقسم لقسمين، الأول كان له ثمة تمييز قانوني في البنية التشريعية المصرية لاستثنائى حرمة الحياة الخاصة وحقوق الآخرين، أما الاستثناء الآخر والخاص بالأمن القومي، فلم يتم تعريفه صراحة في أي من التشريعات المصرية بصورة واضحة لا تقبل اللبس، الأمر الذي سمح باستخدام السلطة التنفيذية لهذه الضبابيبة في حجب المعلومات.
  • غلق الباب أمام وجود هيئات مستقلة تقوم بضمان إلتزام الهيئات والمؤسسات العامة بالإتاحة القصوي للمعلومات، وتولي الفصل في الشكاوي المقدمة ضد تلك الجهات نتيجة رفضها تقديم بعض المعلومات المطلوبة.
  • “والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة”، صياغة فضفاضة لمادة يجب أن تلزم الجهات العامة بأقصى إفصاح عن المعلومات التي تملكها، وأن تفعل ذلك بشكل استباقي وليس فقط رداً على طلب.

ونقترح وجوب مراعاة المادة / المواد المنظمة لحرية تداول المعلومات لما يلي:

  • حق جميع الأفراد بغض النظر عن جنسياتهم وإنتماءاتهم في تداول والحصول على المعلومات دون إبداء أسباب أو وجود مبررات لممارسة ذلك الحق، وأن يشمل نطاق القانون كل الجهات والمؤسسات العامة والأنشطة التي تنفذها هيئات خاصة بتمويل من أموال عامة.
  • تعريف واضح ودقيق لنطاق الاستثناءات في المادة الدستورية، أو حذف الاستثناء منها لينظمها القانون.
  •  قيام جهة/جهات مستقلة بمراقبة وتقييم مدى إمتثال المؤسسات العامة بما ينص عليه القانون المفصّل من تسهيل الحصول على المعلومات والبت في الطعون المقدمة ضد عمل وقرارات تلك المؤسسات.
  • الإلتزام الإيجابي من الجهات العامة بأن تكشف بشكل استباقي عن المعلومات، وأن تعترف بمبدأ الحد الأقصى للإفصاح.
  • الحق في طلب واستلام ونشر المعلومات والأفكار بحيث يغطي كل أنواع التعبير ووسائل الإتصالات بما فيها الإنترنت وكافة وسائل الإتصال الحديثة.

ثانياً: حرية الإعلام:

يمكن تحديد مشكلات الإعلام، وهنا نعني الإعلام بمفهومه الواسع بما يشمل المطبوع والمذاع والمرئي والرقمي بكافة أشكاله، في أزمات الاستقلالية والتي نرجعها إلى تقييد أنماط ملكية وسائل الإعلام في القوانين المصرية، وذلك لوسائل الإعلام التقليدية. وسيف العقوبات السالبة للحرية المسلط دائماً على رقاب الإعلاميين.

تحتوى المادة الواحدة من المواد التالية في النصوص الدستورية ، غالباً، على أكثر من قاعدة أو حكم قانوني، وسوف نعرض لكل قاعدة منهم على حدة كما وردت في دستور 2012 ومقترحات لجنتى العشرة والخمسين فيما بعد.

ونقترح ما يلي:

المواد: جاءت مواد الصحافة والنشر والإعلام في دستور 2012 المعطل في مادتين هما المادة 48، والمادة 49. وكذلك في مقترح لجنة العشرة في المادتين 51، 52، بينما جاءت في مقترح لجنة الخمسين في مادتين 51، 52، بالإضافة إلى مادة مستحدثة.

حظر النشر:

  • في المادة 48 من الدستور المعطل وكذلك في مقترح لجنة الخمسين في المادة رقم 52 منه، لا يكون حظر وقف الصحف أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائى؛ وبالتالى ترك الباب مفتوحا لتهديد الصحف بالغلق بحكم قضائى.
  • والمقترح الذى تمت الموافقة عليه من قبل لجنة الحقوق والحريات في لجنة الخمسين، حظر الوقف أو الغلق أو المصادرة بشكل عام وتلك نقطة ايجابية تحسب لهذه اللجنة.

فرض الرقابة:

  • وفيما يخص الرقابة على الصحف جاءت النصوص الثلاثة متقاربة، واختلف النص المقترح من لجنة العشرة بوضع: في حالة فرض الطوارئ، بدلاً من: في حالة التعبئة العامة. والنصوص الثلاثة تشترك في إجازة فرض الرقابة في حالة الحرب.
  • ونرى ضرورة حذف الحظر على فرض الرقابة في حالة التعبئة العامة من النص المقترح والاكتفاء بالحظر في حالة الحرب وفق معايير يحددها القانون.

الإصدار والملكية:

  • نصت المادة 49 من دستور 2012 وكذلك جاء في مقترح لجنة العشرة على حرية المصريين في إصدار وتملك الصحف، وأن يكون ذلك بالإخطار. أما النص الذى أقرته لجنة الحقوق والحريات بلجنة الخمسين فلم يقتصر على كلمة “الصحف” بل جاء فيه أن حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة. وكذلك فيما يخص الملكية فقد نص على أن حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائط الإعلام الرقمي مكفولة للمصريين. وأن الصحف تصدر بمجرد الإخطار. لكن المقترح قام بزيادة عبارة “على النحو الذى ينظمه  القانون” والذى لم يكن ورد بنص المادة في دستور 2012 أو في مقترح لجنة العشرة.
  • نرى ضرورة حذف هذه العبارة لأنها تقيد حق الإصدار والملكية بإحالته على قانون يتعسف أصلاً في شروط الإصدار والملكية. فالقانون رقم 148 لسنة 1980 والمعروف بــ”قانون سلطة الصحافة ” وكذلك ميثاق الشرف الصحفي، يتحدثان بشأن إصدار الصحف وملكيتها وشروط ومعايير الترخيص، فالمواد فيهما تخاطب الأشخاص الإعتباريين فقط وهو ما يتنافي مع النص المقترح في التعديلات الدستورية والذى جاء فيه أن حرية الإصدار والتملك تكون للأشخاص الطبيعية والمعنوية. ولأن القانون يتحدث فقط عن الأشخاص الإعتبارية فهو يشترط بالنسبة للأشخاص الإعتبارية الخاصة فيما عدا الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات، أن يتم تأسيس شركة وألا يقلرأس مالها عن مليون جنيه إذا كان الإصدار يومي ومائتين وخمسين ألف جنيه إذا كان أسبوعيا ومائة ألف جنيه إذا كان شهريا. على أن يودع رأس المال بالكامل قبل إصدارالصحيفة في أحد البنوك المصرية.

محطات البث:

  • جاء النص كما هو في دستور 2012 ومقترح لجنة العشرة ومقترح لجنة الخمسين، بأن ينظم القانون إجراءات إنشاء محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية.
  • وهى نفس مشكلة إصدار والملكية في الفقرة السابقة بحيث أن الإحالة إلى القانون تعنى ترك المساحة للمشرع في تقييد حق إنشاء محطات البث بأشكالها وكذلك إنشاء الصحف الإلكترونية.

إلغاء العقوبات السالبة للحريات في قضايا النشر:

  • فرغت الصياغات الفضفاضة لشروط الحبس في قضايا النشر ما لهذه المادة من مضمون فعلي. حيث حددت المادة العقوبات السالبة للحرية في حالتين: المتعلقة بالحض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو في الطعن في أعراض الأفراد.
  • تظهر المشكلة هنا في عدم وضع تعريف محدد لمعنى “الحض على العنف” أو لمعنى “التمييز” وبالتالى ترك الباب مفتوحاً لتقدير سلطة التحقيق؛ وهو ما قد يفتح باباً للقيود على حرية الإعلام.

استقلالية وسائل الإعلام:

  • المادة الأخيرة ،وهى مستحدثة، تلزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام التي تملكها بما يكفل عدم انحيازها.
  • هذا النص يفترض أن وسائل الإعلام المملوكة للدولة لا ينبغى أن تكون صوت السلطة الحاكمة وإنما يجب أن تكون  صوتاً للناس وتعبيرا صادقاً عن حقوقهم، وأن الدولة الرشيدة عليها أن تضمن استقلالية وسائل الإعلام المملوكة لها.

توصيات عامة على مواد الإعلام فى الدستور

بشكل عام جاءت المواد التى وافقت عليها لجنة الحقوق والحريات بلجنة الخمسين جيدة وتتوافق مع الحرية التى كانت تطالب بها وتتطلع إليها ثورة 25يناير، وكذلك تتوافق مع مطالب الإعلاميين. وبالإضافة إلى الملاحظات التفصيلية والتعديلات والمقترحات التى تتقدم الورقة بخصوص المواد المقترحة والتي وافقت عليها لجنة الحقوق والحريات. ترى الورقة أن هناك مواد تتقاطع بشكل مباشر مع المواد التى تتحدث عن النشر والإعلام؛ وبالتالى ضرورة النظر في مادة تداول المعلومات والتى جاءت برقم 50 في مقترح لجنة الخمسين وتم التعليق عليها تفصيلا فى بداية الورقة. وكذلك ينبغى النظر إلى المادة الخاصة بالمحاكمات العسكرية للمدنيين، وكذلك المادة الخاصة بفرض حالة الطوارئ. والمطالبة والتشديد على ضرورة إقرار والنص على عدم محاكمة أى مدني إلا أمام قاضيه الطبيعى، وأخيراً، حظر فرض حالة الطورائ.

وعلى جانب آخر ترى الورقة ضرورة النص بشكل عام على وجود آلية ملزمة لتنقية ترسانة القوانين من المواد التى تتعارض مع الدستور، وبشكل خاص نرى –كما تقدم- ضرورة النص في المادة  52 من مقترح لجنة الخمسين والتى تنص على إلغاء العقوبات السالبة للحريات في قضايا النشر على أن يلغى أي حكم أو نص يتعارض مع أحكام هذه المادة.

لتحميل الورقة بصيغة PDF

  Recommendations_on_Constitution_amadments-2013.pdf (475.8 KiB)

Tweet about this on TwitterShare on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on Tumblr0Email this to someone